قال الإمام القرطبي رحمه الله (1)
قوله تعالى: { والذين هَاجَرُواْ فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } قد تقدّم في «النِّساء» معنى الهجرة ، وهي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله ، وترك السيئات . وقيل: «في» بمعنى اللام ، أي لله . { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } أي عُذّبوا في الله . نزلت في صُهَيب وبلال وخبّاب وعمّار ، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا ، فلما خلّوهم هاجروا إلى المدينة؛ قاله الكَلْبِيّ . وقيل: نزلت في أبي جَنْدل بن سهيل . وقال قتادة: المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة؛ ثم بوّأهم الله تعالى دار الهجرة وجعل لهم أنصارًا من المؤمنين . والآية تعم الجميع . { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً } في الحسنة ستة أقوال: الأوّل نزول المدينة؛ قاله ابن عباس والحسن والشَّعْبِيّ وقَتادة . الثاني الرزق الحسن؛ قاله مجاهد . الثالث النصر على عدوّهم؛ قاله الضحاك . الرابع إنه لسان صدق؛ حكاه ابن جُريج . الخامس ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات . السادس ما بقي لهم في الدنيا من الثناء ، وما صار فيها لأولادهم من الشرف . وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله ، والحمد لله . { وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ } أي ولأجر دار الآخرة أكبر ، أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده؛ { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا } [ الإنسان: 20 ] { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك . وقيل: هو راجع إلى المؤمنين . أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا . وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال: هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما ادّخر لكم في الآخرة أكثر؛ ثم تلا عليهم هذه الآية .
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله (2) :
يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه.
ويحتمل أن يكون سبب نزول هذه الآية الكريمة في مُهاجرة الحبشة الذي اشتد أذى قومهم لهم بمكة، حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة، ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم: عثمان بن عفان، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعفر بن أبي طالب، ابن عم الرسول (7) وأبو سلمة بن عبد الأسد (8) في جماعة قريب من ثمانين، ما بين رجل وامرأة، صديق وصديقة، رضي الله عنهم وأرضاهم. وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً } قال ابن عباس والشعبي، وقتادة: المدينة. وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد.
ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرًا منها (9) في الدنيا، فإن من ترك شيئًا لله عوضه الله بما هو خير له منه (10) وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد
(1) مضى البيت عند تفسير الآية: 117 من سورة البقرة.
(2) زيادة من ت، ف، أ.
(3) في ت:"ذكره".
(4) ورواه الطبري في تفسيره (14/73) من طريق حجاج به موقوفا.
(5) في ت:"هذا".
(6) صحيح البخاري برقم (4974) ولفظه:"قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي، فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد، لم ألد ولم أولد، ولم يكن لي كفوا أحد".
(7) في ف، أ:"ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم".
(8) في ف، أ:"عبد الأسود".
(9) في ت، ف، أ:"منه".
(10) في ت، ف، أ:"منه في الدنيا".
وحكمهم على رقاب العباد، فصاروا أمراء حكاما، وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: { وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ } أي: مما أعطيناهم في الدنيا { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله؛ ولهذا قال هُشَيْم، عن العوام، عمن حدثه؛ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه (1) يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر (2) لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ (3) هذه الآية: { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } (4) .
ثم وصفهم تعالى فقال: { الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي: صبروا على أقل (5) من آذاهم من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.
(1) في أ:"عطاء".
(2) في ف:"وما دخره".
(3) في أ:"يقرأ".
(4) رواه الطبري في تفسيره (14/74) .
(5) في ت، ف، أ:"أذى".
(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3118)
(2) - تفسير ابن كثير - (ج 4 / ص 572)