ورشحت هذه الاستعارة على كلا الوجهين بقوله {إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . وهي جملة واقعة موقع التعليل لمضمون {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي} ، لأن من كان عزيزا يعتز به جاره ونزيله.
وإتباع وصف {الْعَزِيزُ} بـ {الْحَكِيمُ} لإفادة أن عزته محكمة واقعة موقعها المحمود عند العقلاء مثل نصر المظلوم، ونصر الداعي إلى الحق، ويجوز أن يكون {الْحَكِيمُ} بمعنى الحاكم فيكون زيادة تأكيد معنى {الْعَزِيزُ} .
وفي أضواء البيان (1) :
الضمير في قوله: { وَنَجَّيْنَاهُ } عائد إلى إبراهيم . قال أبو حيان في البحر المحيط: وضمن قوله { وَنَجَّيْنَاهُ } معنى أخرجناه بنجاتنا إلى الأرض . ولذلك تعدى « نجَّيناه » بإلى . ويحتمل أن يكون « إلى » متعلقًا بمحذوف . أي منتهيًا إلى الأرض ، فيكون في موضع الحال . ولا تضمين في « ونجَّيناه » على هذا . والأرض التي خرجا منها: هي كوثى من أرض العراق ، والأرض التي خرجا إليها: هي أرض الشام ه ه منه . وهذه الآية الكريمة تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط من أرض العراق إلى الشام فرارًا بدينهما .
وقد أشار تعالى إلى ذلك في غير هذا الموضع . كقوله في « العنكبوت » { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إلى ربي } [ العنكبوت: 26 ] الآية ، وقوله في « الصافات » : { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ } [ الصافات: 99 ] على أظهر القولين . لأنه فار إلى ربه بدينه من الكفار . وقال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: { وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ } : هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة ، وأول من فعل ذلك إبراهيم عليه السلام ، وذلك حين خلصه الله من النار قال: { إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي } أي مهاجر من بلد قومي ومولدي ، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي { فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ } [ الزخرف: 27 ] فيما نويت إلى الصواب . وما أشار إليه جل وعلا من أنه بارك العالمين في الأرض المذكورة ، التي هي الشام على قول الجمهور في هذه الآية بقوله: { إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ } بينه في غير الموضع . كقوله: { وَلِسُلَيْمَانَ الريح عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا } [ الأنبياء: 81 ] الآية ، وقوله تعالى: { سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } [ الإسراء: 1 ] الآية . ومعنى كونه ( بارك فيها ) . هو ما جعل فيها من الخصب والأشجار والأنهار والثمار . كما قال تعالى: { لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض } [ الأعراف: 96 ] ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها .
وقال بعض أهل العلم: ومن ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة التي عند بيت المقدس . وجاء في ذلك حديث مرفوع ، والظاهر أنه لا يصح . وفي قوله تعالى: { إِلَى الأرض التي بَارَكْنَا فِيهَا } [ الأنبياء: 71 ] أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا .
وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامته دينه واجب . وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين العلماء في ذلك .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (2) :
(1) - أضواء البيان - (ج 4 / ص 239)
(2) - مجموع الفتاوى - (ج 10 / ص 269) ومجموع فتاوى ابن تيمية - (ج 2 / ص 371) والفتاوى الكبرى - (ج 7 / ص 364)