فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 1664

2-مما يتبادر إلى الذهن من هذه الهجرة العظيمة, هو شفقة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم على أصحابه ورحمته بهم، وحرصه الشديد للبحث عما فيه أمنهم وراحتهم، ولذلك أشار عليهم بالذهاب إلى الملك العادل الذي لا يُظلم أحد عنده، فكان الأمر كما قال صلوات الله وسلامه عليه، فأمنوا في دينهم ونزلوا عنده في خير منزل (1) فالرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي وجَّه الأنظار إلى الحبشة وهو الذي اختار المكان الآمن لجماعته ودعوته، كي يحميها من الإبادة، وهذه تربية نبوية لقيادات المسلمين في كل عصر, أن تخطط بحكمة وبعد نظر لحماية الدعوة والدعاة، وتبحث عن الأرض الآمنة التي تكون عاصمة احتياطية للدعوة، ومركزًا من مراكز انطلاقها فيما لو تعرض المركز الرئيسي للخطر، أو وقع احتمال اجتياحه فجنود الدعوة

هم الثروة الحقيقية، وهم الذين تنصب الجهود كلها لحفظهم وحمايتهم، دون أن يتم

أي تفريط بأرواحهم وأمنهم، ومسلم واحد يعادل ما على الأرض من بشر خارجين عن دين الله وتوحيده (2) .

3-كانت الأهداف من هجرة الحبشة متعددة، ولذلك حرص النبي صلى الله عليه وسلم على اختيار نوعيات معينة لتحقيق هذه الأهداف، كشرح قضية الإسلام وموقف قريش منه، وإقناع الرأي العام بعدالة قضية المسلمين، على نحو ما تفعله الدول الحديثة من تحرك سياسي يشرح قضاياها وكسب الرأي العام إلى جوارها (3) وفتح أرض جديدة للدعوة، فلذلك هاجر سادات الصحابة في بداية الأمر ثم لحق بهم أكثر الصحب وأوكل الأمر إلى جعفر - رضي الله عنه - (4) .

4-إن وجود ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم جعفر، وصهره عثمان، وابنته رقية رضي الله عنهم جميعًا, في مقدمة المهاجرين له دلالة عميقة تشير إلى أن الأخطار لا بد أن يتجشمها المقربون إلى القائد, وأهله ورحمه، أما أن يكون خواص القائد في منأى عن الخطر، ويدفع إليه الأبعدون غير ذوي المكانة فهو منهج بعيد عن نهج النبي صلى الله عليه وسلم (5) .

5-مشروعية الخروج عن الوطن -وإن كان الوطن مكة على فضلها- إذا كان الخروج فرارًا بالدين وإن لم يكن إلى إسلام، فإن أهل الحبشة كانوا نصارى يعبدون المسيح ولا يقولون: هو عبد الله، وقد تبين ذلك في هذا الحديث -يعني حديث أم سلمة- المتقدم، وسموا بهذه مهاجرين، وهم أصحاب الهجرتين الذين أثنى عليهم بالسبق فقال: ( وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ ) وجاء في التفسير: إنهم هم الذين شهدوا بيعة الرضوان (6) فانظر كيف أثنى الله عليهم بهذه الهجرة، وهم قد خرجوا من بيت الله الحرام إلى دار الكفر، لما كان فعلهم ذلك احتياطًا على دينهم, ورجاء أن يُخلى بينهم وبين عبادة ربهم, يذكرونه آمنين مطمئنين، وهذا حكم مستمر متى غلب المنكر في بلد, وأوذي على الحق مؤمن ورأى الباطل قاهرًا للحق ورجا أن يكون في بلد آخر، أي بلد كان، خلى بينه وبين دينه ويظهر فيه عبادة ربه فإن الخروج على هذا الوجه حق على المؤمن، هذه الهجرة التي لا تنقطع إلى يوم القيامة ( وَللهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) [البقر: 115] (7) .

6-يجوز للمسلمين أن يدخلوا في حماية غير المسلمين، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، سواء كان المجير من أهل الكتاب كالنجاشي، إذ كان نصرانيًّا عندئذ، ولكنه أسلم بعد ذلك، أو كان مشركًا كأولئك الذين عاد المسلمون إلى مكة في حمايتهم عندما رجعوا من الحبشة، وكأبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمطعم بن عدي الذي دخل الرسول صلى الله عليه وسلم مكة في حمايته عندما رجع من الطائف (8) .

وهذا مشروط -بحكم البداهة- بألا تستلزم مثل هذه الحماية إضرارًا بالدعوة الإسلامية، أو تغييرًا لبعض أحكام الدين، أو سكوتًا على اقتراف بعض المحرمات، وإلا لم يجز على المسلم الدخول فيها، ودليل ذلك ما كان من فقهه صلى الله عليه وسلم حينما طلب منه أبو طالب أن يبقي على نفسه ولا يحمله ما لا يطيق فلا يتحدث عن آلهة المشركين بسوء، فقد وطن نفسه إذ ذاك على الخروج من حماية عمه وأَبَى أن يسكت عن شيء مما يجب عليه بيانه وإيضاحه (9) .

(1) انظر: الهجرة في القرآن الكريم، ص312.

(2) انظر: التربية القيادية للغضبان (1/333) . … (3) أضواء على الهجرة، توفيق محمد سبع، ص427.

(4) انظر: التربية القيادية، (1/333) . … (5) نفس المصدر (1/333) .

(6) تفسير الطبري (11/6) تفسير ابن كثير (2/331) .

(7) الروض الأنف للسهيلي (2/92) الهجرة في القرآن الكريم، ص312.

(8) الهجرة في القرآن الكريم، ص316.

(9) فقه السيرة للبوطي ص 126، الهجرة في القرآن الكريم، ص317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت