فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 1664

وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ نا أَبُو الْوَلِيدِ - هُوَ الطَّيَالِسِيُّ - نا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أُحُدٍ رَجَعَ نَاسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ , وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُقَاتِلُهُمْ , وَفِرْقَةٌ تَقُولُ: لَا نُقَاتِلُهُمْ , فَنَزَلَتْ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ * * فَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ , وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى أُولَئِكَ: مُنَافِقِينَ . وَأَمَّا قوله تعالى فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً * إلَى قوله تعالى: فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * فَقَدْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهُ تَعَالَى عَنَى بِذَلِكَ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ , وَهُوَ كَانَ الْأَظْهَرَ لَوْلَا قوله تعالى فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ * فَهَذَا يُوَضِّحُ غَايَةَ الْإِيضَاحِ أَنَّهُ ابْتِدَاءُ حُكْمٍ فِي قَوْمٍ آخَرِينَ غَيْرِ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ , لِأَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مِنْ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ بِلَا شَكٍّ , وَلَيْسَ عَلَى سُكَّانِ الْمَدِينَةِ هِجْرَةٌ , بَلْ الْهِجْرَةُ كَانَتْ إلَى دَارِهِمْ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَحُكْمُ الْآيَةِ كُلِّهَا أَنَّهَا فِي قَوْمٍ كُفَّارٍ لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدُ , وَادَّعُوا أَنَّهُمْ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا , وَكَانَ الْحُكْمُ حِينَئِذٍ: أَنَّ مَنْ آمَنَ وَلَمْ يُهَاجِرْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِإِيمَانِهِ , وَكَانَ كَافِرًا كَسَائِرِ الْكُفَّارِ وَلَا فَرْقَ , حَتَّى يُهَاجِرَ , إلَّا مَنْ أُبِيحَ لَهُ سُكْنَى بَلَدِهِ , كَمَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ , وَالْبَحْرَيْنِ , وَسَائِرِ مَنْ أُبِيحَ لَهُ سُكْنَى أَرْضِهِ , إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا * . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * فَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ تَعَالَى الْوِلَايَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ , فَلَيْسُوا مُؤْمِنِينَ . وَقَالَ تَعَالَى إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ * إلَى قَوْلِهِ إلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ * الْآيَةَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَعْنَى حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ * أَيْ حَتَّى يُجَاهِدُوا مَعَكُمْ , بِخِلَافِ فِعْلِهِمْ حِينَ انْصَرَفُوا عَنْ أُحُدٍ وَأَرَادُوا أَنْ يَجْعَلُوا الْآيَةَ كُلَّهَا فِي الْمُنَافِقِينَ الْمُنْصَرِفِينَ عَنْ أُحُدٍ ؟ قِيلَ لَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ -: هَذَا مُمْكِنٌ , وَلَكِنْ قَدْ قَالَ تَعَالَى فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ * فَأَخْبِرُونَا هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ عليه السلام فَقَتَلَ الرَّاجِعِينَ عَنْ أُحُدٍ حَيْثُ وَجَدَهُمْ ؟ وَهَلْ أَخَذَهُمْ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قَالُوا: قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ , كَذَبُوا كَذِبًا لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ , وَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ شَكٌّ فِي أَنَّهُ - عليه السلام - لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا وَلَا نَبَذَ الْعَهْدَ إلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ . وَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ - عليه السلام - وَلَا الْمُؤْمِنُونَ ؟ قِيلَ لَهُمْ: صَدَقْتُمْ , وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَظُنَّ أَنَّ النَّبِيَّ - عليه السلام - خَالَفَ أَمْرَ رَبِّهِ , فَأَمَرَهُ تَعَالَى إنْ تَوَلَّوْا بِقَتْلِهِمْ , حَيْثُ وَجَدَهُمْ , فَلَمْ يَفْعَلْ , وَهَذَا كُفْرٌ مِمَّنْ ظَنَّهُ بِلَا شَكٍّ . فَإِنْ قَالُوا: لَمْ يَتَوَلَّوْا بَلْ تَابُوا وَرَجَعُوا وَجَاهَدُوا ؟ قِيلَ لَهُمْ: فَقَدْ سَقَطَ حُكْمُ النِّفَاقِ عَنْهُمْ - بِلَا شَكٍّ - وَحَصَلَ لَهُمْ حُكْمُ الْإِعْلَامِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ - بِلَا شَكٍّ - فَقَدْ بَطَلَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ جُمْلَةً فِي أَنَّهُ - عليه السلام - كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ . وَلَكِنْ فِي قوله تعالى إلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ * إلَى قوله تعالى: فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا * بَيَانٌ جَلِيٌّ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَكُونُوا قَطُّ مِنْ الْأَوْسِ وَلَا مِنْ الْخَزْرَجِ , لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَوْمٌ مُحَارِبُونَ لِلنَّبِيِّ - عليه السلام - وَلَا نُسِبُوا قَطُّ إلَى قَوْمٍ مُعَاهِدِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت