واعتبر ذلك بالصحابة رضي الله عنهم فإنهم لما هاجروا في سبيل الله وتركوا ديارهم وأولادهم وأموالهم لله، كمل بذلك إيمانهم وحصل لهم من الإيمان التام والجهاد العظيم والنصر لدين الله، ما كانوا به أئمة لمن بعدهم، وكذلك حصل لهم مما يترتب على ذلك من الفتوحات والغنائم، ما كانوا به أغنى الناس، وهكذا كل من فعل فعلهم، حصل له ما حصل لهم إلى يوم القيامة.
ثم قال: { وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي: قاصدا ربه ورضاه، ومحبة لرسوله ونصرًا لدين الله، لا لغير ذلك من المقاصد { ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ } بقتل أو غيره، { فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } أي: فقد حصل له أجر المهاجر الذي أدرك مقصوده بضمان الله تعالى، وذلك لأنه نوى وجزم، وحصل منه ابتداء وشروع في العمل، فمن رحمة الله به وبأمثاله أن أعطاهم أجرهم كاملا ولو لم يكملوا العمل، وغفر لهم ما حصل منهم من التقصير في الهجرة وغيرها.
ولهذا ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين فقال: { وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } يغفر للمؤمنين ما اقترفوه من الخطيئات، خصوصا التائبين المنيبين إلى ربهم. [ ص 197 ]
{ رَحِيمًا } بجميع الخلق رحمة أوجدتهم وعافتهم ورزقتهم من المال والبنين والقوة، وغير ذلك. رحيمًا بالمؤمنين حيث وفقهم للإيمان، وعلمهم من العلم ما يحصل به الإيقان، ويسر لهم أسباب السعادة والفلاح وما به يدركون غاية الأرباح، وسيرون من رحمته وكرمه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فنسأل الله أن لا يحرمنا خيره بشر ما عندنا.
وقال الطاهر بن عاشور (1) :
لما جاء ذكر القاعدين عن الجهاد من المؤمنين بعذر وبدونه، في الآية السالفة، كان حال القاعدين عن إظهار إسلامهم من الذين عزموا عليه بمكة، أو اتبعوه ثم صدهم أهل مكة عنه وفتنوهم حتى أرجعوهم إلى عبادة الأصنام بعذر وبدونه، بحيث يخطر ببال السامع أن يتساءل عن مصيرهم إن هم استمروا على ذلك حتى ماتوا، فجاءت هذه الآية مجيبة عما يجيش بنفوس السامعين من التساؤل عن مصير أولئك، فكان موقعها استئنافا بيانيا لسائل متردد، ولذلك فصلت، ولذلك صدرت بحرف التأكيد، فإن حالهم يوجب شكا في أن يكونوا ملحقين بالكفار، كيف وهم قد ظهر ميلهم إلى الإسلام، ومنهم من دخل فيه بالفعل ثم صد عنه أو فتن لأجله.
والموصول هنا في قوة المعرف بلام الجنس، وليس المراد شخصا أو طائفة بل جنس من مات ظالما نفسه، ولما في الصلة من الإشعار بعلة الحكم وهو قوله {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} ، أي لأنهم ظلموا أنفسهم.
ومعنى {توفاهم } تميتهم وتقبض أرواحهم، فالمعنى: أن الذين يموتون ظالمي أنفسهم، فعدل عن يموتون أو يتوفون إلى توفاهم الملائكة ليكون وسيلة لبيان شناعة فتنتهم عند الموت.
والملائكة جمع أريد به الجنس، فاستوى في إفادة معنى الجنس جمعه، كما هنا، ومفرده كما في قوله تعالى {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ} [السجدة:11] فيجوز أن يكون ملك الموت الذي يقبض أرواح الناس واحدا، بقوة منه تصل إلى كل هالك، ويجوز أن يكون لكل هالك ملك يقبض روحه، وهذا أوضح، ويؤيده قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} إلى قوله {قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} .
و {توفاهم} فعل مضي يقال: توفاه الله، وتوفاه ملك الموت، وإنما لم يقرن بعلامة تأنيث فاعل الفعل، لأن تأنيث صيغ جموع التكسير تأنيث لفظي لا حقيقي فيجوز لحاق تاء التأنيث لفعلها، تقول: غزت العرب، وغزى العرب.
وظلم النفس أن يفعل أحد فعلا يؤول إلى مضرته، فهو ظالم لنفسه، لأنه فعل بنفسه ما ليس من شأن العقلاء أن يعقلوه لوخامة عقباه. والظلم هو الشيء الذي لا يحق فعله ولا ترضى به النفوس السليمة والشرائع، واشتهر إطلاق ظلم النفس في القرآن على الكفر وعلى المعصية.
وقد اختلف في المراد به في هذه الآية، فقال ابن عباس: المراد به الكفر، وأنها نزلت في قوم من أهل مكة كانوا قد أسلموا حين كان الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، فلما هاجر أقاموا مع قومهم بمكة ففتنوهم فارتدوا، وخرجوا يوم بدر مع المشركين فكثروا سواد المشركين، فقتلوا ببدر كافرين، فقال: المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين ولكنهم أكرهوا على الكفر والخروج، فنزلت هذه الآية فيهم. رواه البخاري عن ابن عباس، قالوا: وكان منهم أبو قيس بن الفاكه، والحارث بن زمعة، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحاج؛ فهؤلاء قتلوا. وكان العباس بن عبد المطلب، وعقيل ونوفل ابنا أبي طالب فيمن خرج معهم، ولكن هؤلاء الثلاثة أسروا وفدوا أنفسهم وأسلموا بعد ذلك، وهذا أصح الأقوال في هذه الآية.
(1) - التحرير والتنوير - (ج 4 / ص 230)