والمعنى: إن الذين تقبض الملائكة أوراحهم وتميتهم حال كونهم قد ظلموا أنفسهم بسبب رضاهم بالذل والهوان ، وإقامتهم في أرض لم يستطيعوا أن يباشروا تعاليم دينهم فيها ، وعدم هجرتهم إلى الأرض التى يقيم فيها إخوانهم في العقيدة مع قدرتهم على الهجرة . .
إن الذين تتوفاهم الملائكة وهم بهذه الحال ، تسألهم الملائكة سؤال تقريع وتوبيخ عند قبض أرواحهم أو يوم القيامة فتقول لهم:"فيم كنتم"أى: في أى حال كنتم؟ أكنتم في عزة أم في ذلة؟ وكيف رضيتم البقاء مع الكافرين الذين أذلوا وسخروا من دينكم؟ أو المعنى: في أى شئ كنتم من أمور دينكم؟
{ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض } أى: قال الذين ظلموا أنفسهم للملائكة: كنا في الدنيا يستضعفنا أهل الشرك في أرضنا وبلادنا ، وصيرونا أذلاء لا نملك من أمرنا شيئًا . وهو اعتذار قبيح يدل على هوان المعتذرين به وضعف نفوسهم ، ولذلك لم تقبل منهم الملائكة هذا العذر ، بل ردت عليهم بما حكاه الله - تعالى - في قوله: { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } ؟
فالاستفهام لإِنكار عذرهم ، وعدم الاعتداد به .
أى أن الملائكة تقول لهم - كما يقول الآلوسى -: إن عذرهم عن ذلك التقصير بحلولكم بين أهل تلك الأرض أبرد من الزمهرير ، إذ يمكنكم حل عقدة هذا الأمر الذى أخل بدينكم بالرحيل إلى قطر آخر من الأرض تقدرون فيه على إقامة أمور الدين كما فعل من هاجر إلى الحبشة وإلى المدينة . أو إن تعللكم عن الخروج مع أعداء الله - تعالى - بأنكم مقهورون غير مقبول ، لأنكم متمكنون من المهاجرة ومن الخروج من تحت أيديهم .
وقوله { ظالمي أَنْفُسِهِمْ } جملة حالية من ضمير المفعول في قوله: { تَوَفَّاهُمُ } أى: تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم لأنفسهم . والإِضافة فيه لفظية فلا تفيده تعريفا . والأصل ظالمين أنفسهم فحذفت النون تخفيفا .
قال الجمل ما ملخصه: وخبر إن في قوله { إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ } . محذوف تقديره: إن الذين توفاهم الملائكة هلكوا . ويكون قوله: { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } مبينا لتلك الجملة المحذوفة . أو يكون الخبر قوله { فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } ودخلت الفاء في الخبر تشبيها للموصول باسم الشرط . .
وقوله { قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض } جملة مستأنفة جوابًا عن سؤال مقدر فكأنه قيل: فماذا قال أولئك الذين ظلموا أنفسهم للملائكة؟ فكان الجواب: كنا مستضعفين في الأرض . قال صاحب الكشاف: فإن قلت: كيف صح وقوع قوله { كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرض } جوابًا عن قولهم: فيهم كنتم وكان حق الجواب: كنا في كذا أو لم نكن في شئ؟ قلت معنى"فيم كنتم"التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شئ من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا . فقالوا: كنا مستضعفين اعتذارا مما وبخوا به ، واعتلالا بالاستضعاف ، وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة حتى يكونوا في شئ . فبكتتهم الملائكة بقولهم: { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } ، أرادوا: إنكم كنتم قادرين على الخروج من مكة إلى بعض البلاد التى تمنعون فيها من إظهار دينكم .
وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بدل لا يتمكن فيه من إقامة دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وأدوم للعبادة حقت عليه المهاجرة .
ويبدو أن الإِمام الزمخشرى كان عند تفسيره لهذه الآية قد هاجر من موطنه للإِقامة بجوار بيت الله الحرام ، فقد قال خلاف تفسيره لها"اللهم إن كنت تعلم أن هجرتى إليك لم تكن إلا للفرار بدينى فاجعلها سببا في خاتمة الخير ، ودرك المرجو من فضلك ، والمبتغى من رحمت . وصل جوارى لك بعكوفى عند بيتك بجوارك في دار كرامتك يا واسع المغفرة ."
وقال القرطبى: يفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة ، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شئ من هذا .
وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه .
وقوله { فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَآءَتْ مَصِيرًا } بيان لسوء عاقبة هؤلاء الذين آثروا العيش في أرض الكفر مع الذل على الهجرة إلى أرض الإِسلام .
أى: فأولئك الذين ماتوا ظالمين لأنفسهم { مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } أى: مسكنهم الذى يأوون إليه في الآخرة جهنم ، وهى مصيرهم الذى سيصيرون إليه { وَسَآءَتْ مَصِيرًا } أى: وساءت جهنم لأهلها الذين صراوا إليها مصيرا ومسكنا ومأوى ، لأنهم سيذوقون فيها العذاب الأليم .
وجئ باسم الإِشارة { فأولئك } للاشعار بأنهم جديرون بالحكم الوارد بعده للصفات التى وصفوا بها قبله ، فهم كانوا قادرين على الهجرة لكنهم لم يهاجروا لضعف نفوسهم وحرصهم على أموالهم ومصالحهم .
والمخصوص بالذم في قوله { وَسَآءَتْ مَصِيرًا } محذوف . أى: جهنم .
ثم استثنى - سبحانه - من هذا المصير السئ لمن ظلموا أنفسهم ثلاثة أصناف من الناس فقال: { إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء والولدان } .