قال جُندُب ابن عبد الله وعُروة بن الزّبير وغيرهما: لمّا قَتَل واقدُ بن عبد الله التميميّ عمرو بن الحضرميّ في الشهر الحرام تَوقَّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن أخذ خُمُسه الذي وُفِّق في فرضه له عبدُ الله ابن جحش وفي الأسيرين ، فعنّف المسلمون عبدَ الله بن جحش وأصحابه حتى شَقَّ ذلك عليهم ، فتلافاهم الله عزّ وجلّ بهذه الآية في الشهر الحرام وفرّج عنهم ، وأخبر أن لهم ثواب من هاجر وغزا ، فالإشارة إليهم في قوله: «إِن الَّذِينَ آمَنُوا» ثم هي باقية في كلّ من فعل ما ذكره الله عز وجل . وقيل: إن لم يكونوا أصابوا وِزْرًا فليس لهم أجر؛ فأنزل الله: { إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَاجَرُواْ } إلى آخر الآية .
والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، وقصدُ ترك الأوّل إيثارًا للثاني . والهَجْر ضدّ الوصل . وقد هَجره هَجْرًا وهِجرانًا ، والاسم الهِجْرة . والمهاجرة من أرض إلى أرض تركُ الأُولى للثانية . والتَّهاجُر التّقاطع . ومن قال: المهاجرة الانتقال من البادية إلى الحاضرة فقد أوهم؛ بسبب أن ذلك كان الأغلب في العرب ، وليس أهل مكة مهاجرين على قوله . «وجاهد» مفاعلة مِن جَهَد إذا استخرج الجهد ، مجاهدة وجِهادًا . والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود . والجَهاد ( بالفتح ) : الأرض الصُّلبة . «ويرجون» معناه يطمعون ويستقربون . وإنما قال «يرجون» وقد مدحهم لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كلَّ مبلغ ، لأمرين: أحدهما لا يدري بما يُختم له . والثاني لئلا يتّكل على عمله؛ والرجاء يَنْعَمُّ ، والرجاء أبدا معه خوف ولا بُدّ ، كما أن الخوف معه رجاء . والرجاء من الأمل ممدود؛ يقال: رَجَوت فلانًا رَجْوا ورَجَاء ورَجَاوة ، يقال: ما أتيتك إلا رَجَاوَةَ الخير . وترجّيته وارتجيته ورَجّيته وكله بمعنَى رَجَوته ، قال بِشرٌ يخاطب بنته:
فَرَجِّي الخيرَ وانتظري إيابي ... إذا ما القارِظُ العَنَزِيُّ آبَا
ومالي في فلان رِجيَّة ، أي ما أرجو . وقد يكون الرَّجْو والرجاء بمعنى الخوف ، قال الله تعالى: { مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا } [ نوح: 13 ] أي لا تخافون عظمةَ الله؛ قال أبو ذُؤَيب:
إذا لسعته النّحلُ لم يَرْجُ لَسْعَها ... وخالفَهَا في بَيت نُوبٍ عوامِلِ
أي لم يَخَفْ ولم يُبالِ . والرجا مقصور: ناحية البئر وحافتاها ، وكل ناحيةٍ رَجًا . والعَوَام من الناس يخطئون في قولهم: يا عظيمَ الرّجَا؛ فيَقْصُرون ولا يمدّون .
وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله (1) :
(إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله , والله غفور رحيم) . .
ورجاء المؤمن في رحمة الله لا يخيبه الله أبدا . . ولقد سمع أولئك النفر المخلص من المؤمنين المهاجرين هذا الوعد الحق , فجاهدوا وصبروا , حتى حقق الله لهم وعده بالنصر أو الشهادة . وكلاهما خير . وكلاهما رحمة . وفازوا بمغفرة الله ورحمته: (والله غفور رحيم) . .
وهو هو طريق المؤمنين . .
وفي التفسير الوسيط (2) :
قال الإِمام الرازي: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان:
الأول: أن عبد الله بن جحش قال: يا رسول الله: هب أنه لا عقاب علينا فيما فعلنا ، فهل نطمع منه أجرًا وثوابًا؟ فنزلت الآية ، لأن عبد الله كان مؤمنًا وكان مهاجرًا ، وكان مجاهدًا بسبب هذه المقاتلة .
وفي الثاني: أنه تعالى لما أوجب الجهاد قبل بقوله: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ } وبين أن تركه سبب للوعيد أتبع ذلك بذكر من يقوم به وجزاؤه فقال: { إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَاجَرُواْ } ولا يكاد يوجد وعيد إلا ويعقبه وعد"."
والمعنى: إن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، واستقاموا على طريق الحق ، وأذعنوا لحكمه ، واستجابوا لأوامر الله ونواهيه: { والذين هَاجَرُواْ } أي: تركوا أموالهم وأوطانهم من أجل نصرة دينهم: { وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله } لإِعلاء كلمته { أولائك } الموصوفون بتلك الصفات الثلاثة { يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله } أي: يؤملون تعلق رحمته - تعالى - بهم ، أو ثوابه على أعمالهم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: واسع المغفرة للتائبين المستغفرين ، عظيم الرحمة بالمؤمنين المحسنين .
قال القرطبي:"والهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع ، والقصد ترك الأول إيثارا للثاني . والهجرة ضد الوصل ، والاسم الهجرة . وجاهد مفاعله من جهد إذا استخرج الجهد . والاجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود ، والجهاد - بالفتح - الأرض الصلبة ."
وإنما قال { يَرْجُونَ } وقد مدحهم ، لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ لأمرين:
أحدهما: أنه لا يدري بماذا ختم له .
والثاني: لئلا يتكل على عمله ، والرجاء أبدًا معه خوف كما أن الخوف معه رجاء"."
(1) - في ظلال القرآن - (ج 1 / ص 31)
(2) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 380)