فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 1664

المُفَصَّلُ في أحْكامِ الهِجرَةِ

الباب الأول

الهجرة في القرآن والسنة

إعداد

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد:

فإن الهجرة من مكان إلى مكان آخر وجدت منذ وجود الإنسان على هذه الأرض ، ولها أسباب كثيرة:

منها- أنَّ الإنسان إذا أصبح المكان الذي يعيش فيه جدبًا تركه وبحث عن مكان آخر أكثر خصوبة من أجل العيش والبقاء

ومنها- طلبًا للعلم والمعرفة إذا لم يكن ذلك متوفرًا في البلد الذي يعيش فيه

ومنها - بسبب الكوارث الطبيعية ( من فيضانات وسيول وصواعق وزلازل ) التي يسلطها الله تعالى على من عصاه كما فعل بأهل سبأ قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) } [سبأ/15-21] وكما فعل بالأمم السابقة

ومنها- بسبب الحروب بين الناس فيفرُّ المهزوم إلى مكان آخر آمن

ومنها- الخوف من عدو أو وحوش ونحو ذلك

ومنها- للسياحة ....

وهذه الأنواع تحدث مع جميع البشر وفي كل العصور .

ومنها- الفرار بالدين ، وهي أعظم أنواع الهجرة ، قال تعالى عن النبي إبراهيم عليه السلام لما هاجر من العراق إلى الشام: { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) } سورة العنكبوت .

وقد كان الكفار والفجار يستخدمون هذه الوسيلة عندما تعييهم الحيل في القضاء على الدين الحق ، قال تعالى: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14) [إبراهيم/13-15] }

وفعلوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، قال تعالى: { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (30) سورة الأنفال

وهذه الهجرة ( إذا ضيق على المؤمن في مكانٍ ما ولم يستطع القيام بشئون دينه ) واجبة عليه حتى قيام الساعة ، قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) [النساء/97-101] }

ذلك لأن الدين أغلى ما يملك الإنسان ، فإذا تعرض للأذى في دينه ضحَّى بكل شيء يملكه ليسلم له دينه ، فإذا سلم الدين سلم كل شيء وإذا ضاع الدين ضاع كل شيء وفي سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (2484 ) عن بُكَيْرَ بْنِ فَيْرُوزَ ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:""مَنْ خَافَ أَدْلَجَ ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزِلَ ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الجَنَّةُ"": وهو حديث صحيح لغيره

والمشكلة الكبرى أن الهجرة سابقا كانت من ديار الكفر والفسوق والعصيان إلى دار الإسلام ، لكنها اليوم أصحبت من دار الإسلام إلى ديار الكفر والفسوق والعصيان .

وقد تمخَّض عن هذه الهجرة مشكلات كثيرة جدًّا:

منها موضوع الحصول على الجنسية والإقامة

ومنها مشكلات الأسرة من حيث التعليم والتربية والرعاية

ومنها مشكلات اللباس والاختلاط والمعاملات والحلال والحرام في الأطعمة والأشربة والعادات والتقاليد، والعلاقات الاجتماعية مع الكفار وأهمها مشكلة الحفاظ على الهوية وغير ذلك

وهذا الكتاب الذي بين يدينا يتحدث عن هذا الموضوع بشكل مفصل ، وقد قسمته لثلاثة أبواب:

الباب الأول- الهجرة في القرآن والسنة:

وقد تكلمت فيه عن تعريف الهجرة وأنواعها ، وعرجت على هجرة الصحابة رضي الله عنهم للحبشة ،وهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم للمدينة المنورة هو وأصحابه الكرام وما يستفاد منهما من دروس وعبر .

ثم استقصيت الآيات المتعلقة بالهجرة ووضعت لها عناوين وقمت بشرحها من أهم كتب التفسير القديمة والحديثة ....

وقد تكلمت عن أحكام الهجرة عند الفقهاء بالتفصيل قدامى ومحدثين بما فيها أنواع الدور وأحكامها

الباب الثاني -فتاوى وبحوث حول الهجرة:

ذكرت في هذا الباب الفتاوى التي قالها العلماء اليوم والمعوَّل عليهم في هذا الباب حول مفهوم الهجرة وأحكامها ، وهي عبارة عن فتاوى وبحوث واستشارات قيمة ، وقد بلغ عددها حوالي مائة وثلاثة وثمانين

الباب الثالث - أحكام الدور الثلاث عند المعاصرين:

استقصيت ما ورد عند العلماء المعاصرين حول أحكام الدور الثلاث دار الإسلام ودار الحرب ودار الكفر

وهي عبارة عن فتاوى واستشارات وبحوث قيمة تجلِّي هذه الحقيقة بالتفصيل

وقد استبعدت غالب فتاوى فقهاء الهزيمة ، الذين رضوا بالدون ، والذين باع كثير منهم دينه بثمن بخس !!!!

وقد بلغ عددها حوالي ثلاثمائة وسبعة وثلاثين فتوى وبحثا

وبذلك يكون كتابنا هذا قد حوى - بإذن الله - جلَّ ما يتعلق بهذا الموضوع الجلل ، وذلك لكي يعرف المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها حكم الإسلام في قضايا الهجرة وشروطها وأبعادها وما يتمخض عنها

المراجع التي اعتمدت عليها:

هي سائر مراجع كتب التراث من كتب تفسير وحديث وفقه وشروح الحديث

وفتاوى فقهاء العصر لا سيما

فتاوىاللجنة الدائمة

وفتاوى العلامة ابن باز

وفتاوى العلامة ابن عثيمين

والدرر السنية

وفتاوى الأزهر

وفتاوى أستازنا الزحيلي والفقه الإسلامي وأدلته له (مع تحفظنا عن بعض ما ورد في الفقه الإسلامي )

وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

والشبكة الإسلامية

الإسلام اليوم

الإسلام سؤال وجواب

صيد الفوائد

شبكة نور الإسلام

موقع المنبر

شبكة مشكاة الإسلامية

موقع المختار الإسلامي

المسلم اليوم

وغيرها كثير

قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ* (74) سورة الأنفال

نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم ، وأن يجزي كل من ساعد على نشر هذا العلم في الدارين آمين

جمعه وأعده

الباحث في القرآن والسنة

علي بن نايف الشحود

في 14 شعبان لعام 1428 هـ الموافق ل 27/8 /207 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت