الثالث: الصبر على أقدار الله ، قال تعالى: { فاصبر لحكم ربك } (الإنسان: 24) فيدخل في هذه الآية حكم الله القدري، ومنه قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم } (الأحقاف: 35) لأن هذا صبر على تبليغ الرسالة وعلى أذى قومه، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - لرسول إحدى بناته: (مرها، فلتصبر ولتحتسب) (1) . إذن الصبر ثلاثة أنواع، أعلاها الصبر على طاعة الله ، ثم الصبر عن معصية الله ، ثم الصبر على أقدار الله .
وهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا فقد يكون الصبر على المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة إذا فتن الإنسان مثلا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليه إلا الله وهو رجل شاب ذو شهوة، فالصبر عن هذه المعصية أشق ما يكون على النفوس، وقد يصلى الإنسان مائة ركعة وتكون أهون عليه من هذا.
وقد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة، فقد يموت له مثلا قريب أو صديق أو عزيز عليه جدا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة مشقة عظيمة.
وبهذا يندفع الإيراد الذي يورده بعض الناس ويقول: إن هذا الترتيب فيه نظر، إذ بعض المعاصي يكون الصبر عليها أشق من بعض الطاعات، وكذلك بعض الأقدار يكون الصبر عليها أشق، فنقول: نحن نذكر المراتب من حيث هي بقطع النظر عن الصابر.
(1) البخاري: كتاب الجنائز / باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (يعذب الميت ببعض بكاء أهله) ، حديث (1284) ، ومسلم: كتاب الجنائز / باب البكاء على الميت، حديث (923) .