ويجوز أن تكون { في } للظرفية على تقدير: { فإذا أوذي في شرع الله } ، أي: إيذاء في هذا الشرع الذي تمسك به.
قوله: { جعل فتنة الناس } . { جعل } : صيّر، والمراد بالفتنة هنا الإيذاء، وسمي فتنة، لأن الإنسان يفتتن به، فيصد عن سبيل الله ، كما قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ } (البروج: من الآية10) ، وأضاف الفتنة إلى الناس من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
قوله: { كعذاب الله } . ومعلوم أن الإنسان يفر من عذاب الله ، فيوافق أمره، فهذا يجعل فتنة الناس كعذاب الله ، فيفر من إيذائهم بموافقة أهوائهم وأمرهم جعلا لهذه الفتنة كالعذاب، فحينئذ يكون قد خاف من هؤلاء كخوفه من الله ، لأنه جعل إيذاءهم كعذاب الله ، ففر منه بموافقة أمرهم، فالآية موافقة للترجمة.
وفي هذه الآية من الحكمة العظيمة، وهي ابتلاء الله العبد لأجل أن يمحص إيمانه، وذلك على قسمين:
الأول: ما يقدره الله نفسه على العبد، كقوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة } (الحج: 11) وقوله تعالى: { وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون } (البقرة: 155-156) .
الثاني: ما يقدره الله على أيدي الخلق من الإيذاء امتحانا واختبارا، وذلك كالآية التي ذكر المؤلف. وبعض الناس إذا أصابته مصائب لا يصبر، فيكفر ويرتد أحيانا - والعياذ بالله -، وأحيانا يكفر بما خالف فيه أمر الله - - عز وجل - - في موقفه في تلك المصيبة، وكثير من الناس ينقص إيمانه بسبب المصائب نقصا عظيما، فليكن المسلم على حذر، فالله حكيم يمتحن عباده بما يتبين به تحقق الإيمان، قال تعالى: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } (a: 31) .