(ق) : والعرب كانوا إذا سافروا أو ذهبوا يمينًا وشمالًا تلونت لهم الشياطين بألوان مفزعة مخيفة، فتدخل في قلوبهم الرعب والخوف، فتجدهم يكتئبون ويستحسرون عن الذهاب إلى هذا الوجه الذي أرادوا، وهذا لا شك أنه يضعف التوكل على الله ، والشيطان حريص على إدخال القلق والحزن على الإنسان بقدر ما يستطيع، قال تعالى: { إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ الله } (المجادلة: من الآية10) .
وهذا الذي نفاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو تأثيرها؛ وليس المقصود بالنفي نفي الوجود، وأكثر ما يبتلى الإنسان بهذه الأمور إذا كان قلبه معلقًا بها، أما إن كان معتمدًا على الله غير مبال بها؛ فلا تضره ولا تمنعه عن جهة قصده.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولهما عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
(لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل) قالوا: وما الفأل؟ قال: (الكلمة الطيبة) (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ق) : قوله: في حديث أنس: (لا عدوى، ولا طيرة) . تقدم الكلام على ذلك.
قوله: (ويعجبني الفأل) . أي: يسرني، والفأل بينه بقوله: (الكلمة الطيبة) . فـ (الكلمة الطيبة) تعجبه - صلى الله عليه وسلم -؛ لما فيها من إدخال السرور على النفس والانبساط، والمضي قدمًا لما يسعى إليه الإنسان، وليس هذا من الطيرة، بل هذا مما يشجع الإنسان؛ لأنها لا تؤثر عليه، بل تزيده طمأنينة وإقدامًا وإقبالًا.
وظاهر الحديث: الكلمة الطيبة في كل شيء؛ لأن الكلمة الطيبة في الحقيقة تفتح القلب وتكون سببًا لخيرات كثيرة، حتى إنها تُدخل المرء في جملة ذوي الأخلاق الحسنة.
(1) البخاري: كتاب الطب /باب: الفأل حديث (5756) ، ومسلم: كتاب السلام /باب الطيرة والفأل وما يكون فيه الشؤم، حديث (2224) .