كما ولم يبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة الإجابة يوم الجمعة، والعلماء اختلفوا في حديث أبي موسى الذي في مسلم؛ حيث قال فيه: (إنها ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة) (1) ؛ فإن بعضهم صححه وبعضهم ضعفه، لكن هو عندي صحيح؛ لأن علة التضعيف فيه واهية، والحال تؤيد صحته؛ لأن الناس مجتمعون أكبر اجتماع في البلد على صلاة مفروضة؛ فيكون هذا الوقت في هذه الحال حريا بإجابة الدعاء، وكذلك ليلة القدر لم يبينها النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنها من أهم ما يكون.
وقوله: (الموبقات) ؛ أي: المهلكات، قال تعالى: (وجعلنا بينهم موبقا) (الكهف: 52) ؛ أي: مكان هلاك.
قوله: (قالوا: يا رسول الله ! وما هن؟) . سألوا عن تبيينها، وبه تتبين الفائدة من الإجمال، وهي أن يتطلع المخاطب لبيان هذا المجمل؛ لأنه إذا جاء مبينا من أول وهلة؛ لم يكن له التلقي والقبول كما إذا أجمل ثم بين.
قوله: (وما هن) . (ما) : اسم استفهام مبتدأ، و (هن) : خبر المبتدأ.
وقيل: بالعكس، (ما) : خبر مقدم وجوبا؛ لأن الاستفهام له الصدارة،
و (هن) : مبتدأ مؤخر.
لأن (هن) ضمير معرفة، و (ما) نكرة، والقاعدة المتبعة أنه يخبر بالنكرة عن المعرفة والعكس.
قوله: (قال: الشرك بالله) . قدمه لأنه أعظم الموبقات؛ فإن أعظم الذنوب أن تجعل لله ندا وهو خلقك.
والشرك بالله يتناول الشرك بربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه أو صفاته.
فمن اعتقد أن مع الله خالقا أو معينا؛ فهو مشرك، أو أن أحدا سوى الله يستحق أن يعبد؛ فهو مشرك وإن لم يعبده، فإن عبده؛ فهو أعظم، أو أن لله مثيلا في أسمائه؛ فهو مشرك، أو أن الله استوى على العرش كاستواء الملك على عرش مملكته؛ فهو مشرك، أو أن الله ينزل إلى السماء الدنيا كنزول الإنسان إلى أسفل بيته من أعلى؛ فهو مشرك.
(1) أخرجه مسلم: كتاب الجمعة / باب في الساعة التي في يوم الجمعة، حديث (853) .