كذلك حصول المطلوب، قد يكون الله - - عز وجل - - منعه حتى نسأل، لكن من الأشياء ما لا تقتضي الحكمة وجوده، وحينئذ يجازى الداعي بما هو أكمل، أو يؤخر له ويدخر له عند الله - - عز وجل - -، أو يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، والدعاء إذا تمت فيه شروط القبول ولم يجب؛ فإننا نجزم بأنه ادخر له.
وقوله: (وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة) هذه واحدة.
والثانية: قوله: (أن لا أسلط عليهم من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا) .
وهذه الإجابة قيدت بقوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا) إذا وقع ذلك منهم؛ فقد يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم؛ فكأن إجابة الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في الجملة الأولى بدون استثناء، وفي الجملة الثانية باستثناء (حتى يكون بعضهم …) .
وهذه هي الحكمة من تقديم قوله: (إذا قضيت قضاء؛ فإنه لا يرد) ؛ فصارت إجابة الله لرسوله مقيدة.
ومن نعمة الله أن هذه الأمة لن تهلك بسنة بعامة أبدا؛ فكل من يدين بدين الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه لن يهلك، وإن هلك قوم في جهة بسنة؛ فإنه لا يهلك الآخرون.
فإذا صار بعضهم يقتل ويسبي بعضهم بعضا؛ فإنه يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، وهذا هو الوقع؛ فالأمة الإسلامية حين كانت أمة واحدة عونا في الحق ضد الباطل كانت أمه مهيبة، ولما تفرقت وصار بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا؛ سلط الله عليهم عدوا من سوى أنفسهم، وأعظم من سلط عليهم فيما أعلم التتار، فقد سلطوا على المسلمين تسليطا لا نظير له؛ فيقال: إنهم قتلوا في بغداد وحدها أكثر من خمسمائة عالم في يوم واحد، وهذا شيء عظيم، وقتلوا الخليفة، وجعلوا الكتب الإسلامية جسرا على نهر دجلة يطئونها بأقدامهم ويفسدونها، وكانوا يأتون إلى الحوامل ويبقرون بطونهن ويخرجون أولادهن يتحركون أمامهم فيقتلونهم، وهي حية تشاهد ثم تموت.