قوله: (أفلا أبشر الناس) ، أي: أأسكت فلا أبشر الناس؟ ومثل هذا التركيب: الهمزة ثم حرف العطف ثم الجملة لعلماء النحو فيه قولان:
الأول: أن بين الهمزة وحرف العطف محذوفًا يقدر بما يناسب المقام، وتقديره هنا: أأسكت فلا أبشر الناس؟
الثاني: أنه لا شيء محذوف، لكن هنا تقديم وتأخير، وتقديره: فألا أبشر؟ فالجملة معطوفة على ما سبق، وموضع الفاء سابق على الهمزة؛ فالأصل: فألا أبشر الناس؟ لكن لما كان مثل هذا التركيب ركيكًا، وهمزة الاستفهام لها الصدارة؛ قدمت على حرف العطف، ومثل ذلك قوله تعالى { أَفَلا يَنْظُرُونَ إلى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } (الغاشية: 17) ، وقوله تعالى: { أفلا تُبصرون } (القصص: 72) ، وقوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض } (الحج: 46) .
والبشارة: هي الإخبار بما يسر.
وقد تستعمل في الإخبار بما يضر، ومنه قوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } (الانشقاق: 24) ، لكن الأكثر الأول.
قوله: (لا تبشرهم) ، أي: لا تخبرهم، ولا ناهية.
ومعنى الحديث أن الله لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، وأن المعاصي تكون مغفورة بتحقيق التوحيد، ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إخبارهم؛ لئلا يعتمدوا على هذه البشرى دون تحقيق مقتضاها؛ لأن تحقيق التوحيد يستلزم اجتناب المعاصي؛ لأن المعاصي صادرة عن الهوى، وهذا نوع من الشرك، قال تعالى: { أفرأيت من أتخذَ إلهه هواه } (الجاثية: 23) .
ومناسبة الحديث للترجمة: فضيلة التوحيد، وأنه مانع من عذاب الله .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق الجن والإنس.
الثانية: أن العبادة هي التوحيد؛ لأن الخصومة فيه.
الثالثة: أن من لم يأت به لم يعبد الله ، ففيه معنى قوله (ولا أنتم عابدون ما أعبد) .
الرابعة: الحكمة في إرسال الرسل.
الخامسة: أن الرسالة عمَّت كل أمة.
السادسة: أن دين الأنبياء واحد.