قوله: { ما عنتم } ، { ما } : مصدرية، وليست موصولة؛ أي: عنتكم؛ أي: مشقتكم؛ لأن العنت بمعنى المشقة، قال تعالى: { ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ } (النساء: من الآية25) .
والفعل بعد: { ما } يؤول إلى مصدر مرفوع، لكن بماذا هو مرفوع؟
يختلف باختلاف { عزيز } إذا قلنا: بأن { عزيز } صفة للرسول؛ صار المصدر المؤول فاعلا به؛ أي: عزيز عليه عنتكم، وإن قلنا: عزيز خبر مقدم، صار عنتكم مبتدأ، والجملة حينئذ تكون كلها صفة لرسول، أو يقال: عزيز مبتدأ، وعنتكم فاعل سد مسد الخبر على رأي الكوفيين الذي أشار ابن مالك في قوله:
……………….وقد ... يجوز نحو"فائز أولو الرشد"
(ف) : ولهذا جاء في الحديث المروي من طرق عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"بعثت بالحنيفية السمحة" (1) وفي الصحيح:"إن هذا الدين يسر"وشريعته كلها سمحة سهلة كاملة، يسيرة على من يسرها الله عليه.
(ق) : قوله: { حريص عليكم } ، الحرص: بذل الجهد لإدراك أمر مقصود، والمعنى: باذل غاية جهده في مصلحتكم؛ فهو جامع بين أمرين: دفع المكروه الذي أفاده قوله: { عزيز عليه ما عنتم } ، وحصول المحبوب الذي أفاده قوله: { حريص عليكم } ؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - جامعا بين هذين الوصفين، وهذا من نعمة الله علينا وعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يكون على هذا الخلق العظيم الممثل بقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } (القلم: 4) .
(1) حسن: جاء من طرق كثيرة كما قال المصنف من حديث حبيب بن أبي ثابت مرسلا ومن حديث أبي أمامة وجابر وعائشة موصولا .والحديث ضعفه اللباني في غاية المرام (8) من حديث جابر ومرسل حبيب فقط. وحسن بهما الحديث في بحث جيد تظهر عليه أمارات التأدب مع العلماء .ص (333:335) .