فهرس الكتاب

الصفحة 515 من 1408

ويقول هذا الظان: إن النصارى أطرت ابن مريم في شيء واحد، وهو أن قالوا هو ابن الله -جل وعلا- فيكون النهي عن أن تجعل له - صلى الله عليه وسلم - رتبة البنوة فقط؛ فإذا كان كذلك فما عداه جائز، وهذا هو فهم الخرافيين لهذا النهي كما قال قائلهم البوصيري في هذا المقام:

دع ما ادعته النصارى في نبيهمڑواحكم بما شئت فيه واحتكم

أو كما قال، يعني: لا تقل: إنه ولد لله، أو أنه ابن لله، فهذا هو القدر المنهي عنه فقط ولك أن تقول فيه بعد ذلك ما شئت غير ملوم، وغير مُثَرَّب عليك.

الوجه الثاني -وهو الفهم الصحيح، وهو الذي يدل عليه السياق- أن الكاف هنا هي كاف القياس، والمعنى: لا تطروني إطراء كما أطرت النصارى ابن مريم، وكاف القياس هي كاف التمثيل الناقص، وحقيقتها، أن يكون هناك شبه بين ما بعدها، وما قبلها في أصل الفعل.

فنهى - صلى الله عليه وسلم - في قوله (لا تطروني كما أطرت) عن أن يُطْرَى -عليه الصلاة والسلام- كما حصل أن النصارى أطرت، ابن مريم فهو تمثيل للحدث بالحدث لا تمثيل أو نهي عن نوع الإطراء، فمعنى قوله: (لا تطروني كما أطرت) هو نهى عن إطراء -عليه الصلاة والسلام- لأجل أن النصارى أطرت ابن مريم فقادهم ذلك إلى الكفر والشرك بالله، وادعاء أنه ولد لله جل وعلا، ولهذا قال: (إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله) .

فالكاف هنا ليست كاف التمثيل الكامل، بأن يكون ما بعدها مماثلًا لما قبلها من كل وجه، وإنما هي كاف التمثيل الذي يكون ما بعده مشتركًا مع ما قبله في المعنى، وهي القياسية التي تجمعها العلة، ولهذا يقول الفقهاء -كما هو معلوم-: هذا كهذا، فيقولون مثلا: نبيذ غير التمر والعنب كنبيذ التمر والعنب مساواة بين هذا وهذا؛ لوجود أصل المعنى بينهما.

وهنا نهى عن الإطراء؛ لأجل وجود أصل الإطراء في الاشتراك بين إطراء النصارى، وما سببه من الشرك، وإطراء ما لو أطري النبي - صلى الله عليه وسلم - وما سيسببه من الشرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت