فهرس الكتاب

الصفحة 512 من 1408

ومن حرص الشيطان المريد على إضلال العبيد: أنه ربما أتى إلى الصورة المتعلق بها فأوهم الناظر إليها أو المخاطب لها أنها تتحدث وتتكلم، أو يُسْمَع منه كلامًا، أو نحو ذلك من الأشياء، وأصناف التصرفات التي تجعل القلوب تتعلق بتلك الروحانيات -كما يقال- أو تلك الأرواح، فيغري أولئك بهم، وهذا هو الحاصل عند عُبَّاد القبور، والعاكفين عليها يأتي أحدهم، ويقول: ذهبت إلى القبر الفلاني فكلمني أبي، ويكون ذلك شيطانًا نطق على لسان أبيه، وربما تصور بصورة أبيه، فخرج له في ظلام ونحوه فيحدثه أبوه بصوته الذي يعرفه، أو يحدثه العالِم، أو الولي بصوته الذي يعرفه منه، فتقع الفتنة، وهذا من قبيل الشيطان.

ولهذا قال ابن عباس هنا كلمة تبين السبب في ذلك فقال: (أوحى الشيطان إلى قومهم) والوحي إلقاءٌ في خفاء. والشيطان لا يتحدث علنا ولكن يوحي، يعني: يلقي في خفاء، فالوحي هو إلقاء الخبر في خفاء، فألقى الشيطان في روعهم، وأنفسهم ذلك الأمر، فكان سببا للشرك بالله -جل وعلا- ولم يكونوا في أول الأمر يعبدونها لكنهم لما صوروا صور أولئك الصالحين، ونصبوا لهم الأنصاب: كان ذلك سببًا ووسيلة إلى عبادتهم لكن أولئك الذين جعلوها وسائل، كان عندهم من العلم ما حجزهم عن عبادة الصالحين، لكن لما نسي العلم عبدت.

وهذا الفعل الذي فعلوه بإيحاء الشيطان، هو من الغلو في أولئك الصالحين. وهذا وجه الشاهد وهو أنهم لما ماتوا عكفوا على قبورهم، أو صوروا صورهم، أو نصبوا الأنصاب في أماكنهم؛ ليتذكروهم، وليكون ذلك أنشط لهم في العبادة، أو العلم، ولكن هذه الأفعال التي فعلوها كانت من سببًا من أسباب عبادة أولئك الصالحين، الذين غلوا في حبهم وهذا هو مراد الشيخ -رحمه الله - من إيراد هذا الأثر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت