قال وهذه الآية تشبه قوله تعالى: ' 4: 64 '"وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله"ثم قد يطاع وقد يعصى. وكذلك ما خلقهم إلا لعبادته. ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون. وهو سبحانه لم يقل: إنه فعل الأول. وهو خلقهم ليفعل بهم كلهم. الثاني: وهو عبادته ولكن ذكر أنه فعل الأول ليفعلوا هم الثاني. فيكونوا هم الفاعلين له. فيحصل لهم بفعله سعادتهم ويحصل ما يحبه ويرضاه منه ولهم. انتهى.
ويشهد لهذا المعنى: ما تواترت به الأحاديث.
فمنها ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابًا: لو كانت لك الدنيا وما فيها ومثلها معها أكنت مفتديًا بها؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم. أن لا تشرك - أحسبه قال: ولا أدخلك النار - فأبيت إلا الشرك"فهذا المشرك قد خالف ما أراده الله تعالى منه: من توحيده وأن لا يشرك به شيئًا. فخالف ما أراده الله منه فأشرك به غيره. وهذه هي الإرادة الشرعية الدينية كما تقدم.
فبين الإرادة الشرعية الدينية والإرادة الكونية القدرية عموم وخصوص مطلق.
يجتمعان في حق المخلص المطيع. وتنفرد الإرادة الكونية القدرية في حق العاصي. فافهم ذلك تنج من جهالات أرباب الكلام وتابعيهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) الآية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ق) : الآية الثانية قوله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) [النحل: 36] .
قوله: (ولقد) : اللام موطئه لقسم مقدر، وقد: للتحقيق. وعليه؛ فالجملة مؤكدة بالقسم المقدر، واللام، وقد.
قوله: (بعثنا) ؛ أي: أخرجنا، وأرسلنا في كل أمة. والأمة هنا: الطائفة من الناس. وتطلق الأمة في القرآن على أربعة معانٍ: