الأولى: قوله: { يوفون بالنذر } ، هذه الآية سيقت لمدح الأبرار، { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورًا } [الإنسان: 5] . ومدحهم بهذا يقتضي أن يكون عبادة، لأن الإنسان لا يمدح ولا يستحق دخول الجنة إلا بفعل شيء يكون عباده. ولو أعقب المؤلف هذه الآية بقوله تعالى: { وليوفوا نذورهم } [الحج: 29] ، لكان أوضح، لأن قوله: { وليوفوا نذورهم } أمر، والأمر بوفائه يدل على أنه عبادة، لأن العبادة ما أمر به شرعًا. وجه استدلال المؤلف بالآية على أن النذر لغير الله من الشرك: أن الله تعالى أثنى عليهم بذلك، وجعله من الأسباب التي بها يدخلون الجنة، ولا يكون سببًا يدخلون به الجنة إلا وهو عبادة، فيقتضي أن صرفه لغير الله شرك.
الآية الثانية قوله: { وما أنفقتم } . { ما } : شرطية، و { أنفقتم } : فعل الشرط، وجوابه: { فإن الله يعلمه } .
قوله: { من نفقة } ، بيان لـ { ما } في قوله: { ما أنفقتم } ، والنفقة: بذل المال، وقد يكون في الخير، وقد يكون في غيره.
قوله: { أو نذرتم } ، معطوف على قوله: { وما أنفقتم } . قوله { فإن الله يعلمه } ، تعليق الشيء بعلم الله دليل على أنه محل جزاء، إذ لا نعلم فائدة لهذا الإخبار بالعلم إلا لترتب الجزاء عليه، وترتب الجزاء عليه يدل على أنه من العبادة التي يجازى الإنسان عليها، وهذا وجه استدلال المؤلف بهذه الآية.
(تم) : وهاهنا سؤال معروف قد يرد في هذا المقام، وهو أن النذر مكروه، قد كرهه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وسئل عنه فقال: (إنه لا يأتي بخير) (1) فكيف يكون عبادة، وقد كرهه - عليه الصلاة والسلام -؟.
(1) أخرجه البخاري (6693) ومسلم (1639) (4) .