ثم قال: لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلًا، ولا تروي غليلًا، ووجدت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: (الرحمن على العرش استوى) [طه: 5] (إليه يصعد الكلم الطيب) [فاطر: 10] ؛ يعني: فأثبت، وأقرأ في النفي: (ليس كمثله شيء) [الشورى: 11] ، (ولا يحيطون به علمًا) [طه: 110] ؛ يعني: فأنفي المماثلة، وأنفي الإحاطة به علمًا، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي أ.هـ.
فتجدهم حيارى مضطربين، ليسوا على يقين من أمرهم، وتجد من هداه الله الصراط المستقيم مطمئنًا منشرح الصدر، هادئ البال، يقرأ في كتاب الله وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات؛ فيثبت؛ إذ لا أحد أعلم من الله بالله، ولا أصدق خبرًا من خبر الله ، ولا أصح بيانًا من بيان الله ؛ كما قال تعالى: (يريد الله ليبين لكم) [النساء: 26] ، (يبين الله لكم أن تضلوا) [النساء: 176] ، (ونزلنا عليك الكتاب تبيانًا لكل شيء) [النحل: 89] ، (ومن أصدق من الله قيلًا) [النساء: 122] ، (ومن أصدق من الله حديثًا) [النساء: 87] . فهذه الآيات وغيرها تدل على أن الله يبين للخلق غاية البيان الطريق التي توصلهم إليه، وأعظم ما يحتاج الخلق إلى بيانه ما يتعلق بالله تعالى وبأسماء الله وصفاته حتى يعبدوا الله على بصيرة؛ لأن عبادة من لم نعلم صفاته، أو من ليس له صفة أمر لا يتحقق أبدًا؛ فلابد أن تعلم من صفات المعبود ما تجعلك تلتجئ إليه وتعبده حقًا. ولا يتجاوز الإنسان حده إلى التكييف أو التمثيل؛ لأنه إذا كان عاجزًا عن تصور نفسه التي بين جنبيه؛ فمن باب أولى أن يكون عاجزًا عن تصور حقائق ما وصف الله به نفسه، ولهذا يجب على الإنسان أن يمنع نفسه عن السؤال بـ"لِمَ"و"كيف"فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته، وكذا يمنع نفسه من التفكير بالكيفية. وهذا الطريق إذا سلكه الإنسان استراح كثيرًا، وهذه حال السلف رحمهم الله ، ولهذا لما جاء