فدل الدليل إذًا على أن العموم هاهنا مخصوص، فليس كل أنواع الرقية شرك، بل بعض أنواع الرقية، وهي: التي اشتملت على شرك، فالعموم هنا مخصوص، وقد خرج منه ما لم يكن فيه شرك وقد جاء الحديث بلفظ (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا) وفي لفظ آخر قال: (لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك) .
أما التمائم فلم يخص الدليل بالجواز منها نوعا دون نوع فتكون التمائم بكل أنواعها شركًا لعدم ورود ما يخصص بعضها، إذ لم يستثن الشارع منها شيئًا والأصل بقاء العام على عمومه، والتخصيص يكون بالشرع، ولم يرد هنا، فيبقى على الأصل.
(ف) : قوله (فقد رخص فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العين والحمة) كما تقدم ذلك في باب من حقق التوحيد. وكذا رخص في الرقى من غيرها، كما في صحيح مسلم عن"عوف بن مالك: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم. لا بأس بالرقى ما لم تكن شركًا"وفى الباب أحاديث كثيرة.
قال الخطابي: وكان - عليه السلام - قد رقى ورقى، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرًا أو قولًا يدخله شرك.
قلت: من ذلك ما كان على مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات ويعتقدون أن ذلك من قبل الجن ومعونتهم. وبنحو هذا ذكر الخطابي.
وقال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به فضلًا أن يدعو به، ولو عرف معناه: لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارًا فليس من دين الإسلام.
وقال السيوطي: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاث شروط:
أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته.
وباللسان العربي: ما يعرف معناه.
وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى.