من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا. كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار، وهؤلاء من جنس مانع الزكاة الذي تقدم فيه الوعيد، ومن جنس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، فإن ذلك لما أحب المال منعه من عبادة الله وطاعته وصار عبدًا له، وكذلك هؤلاء فيكون فيهم شرك أصغر، ولهم من الوعيد بحسب ذلك، وفي الحديث:"إن يسير الرياء شرك" (1) وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب. انتهى.
(ق) : قوله: { والمسيح ابن مريم } : معطوف على أحبارهم، أي: اتخذوا المسيح ابن مريم أيضًا ربًا حيث قالوا: إنه ثالث ثلاثة.
قوله: { إلا ليعبدون } ، أي: يتذللوا بالطاعة لله وحده، الذي خلق المسيح والأحبار والرهبان والسماوات والأرض.
قوله: { لا إله إلا هو } ، أي: لا معبود حق إلا هو.
قوله: { سبحانه } : تنزيه لله عما يشركون. وجه كون هذه الآية تفسيرًا للتوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله: أن الله أنكر عليهم اتخاذ الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله ، وهذه الآية سيأتي فيها ترجمة كاملة في كلام المؤلف رحمه الله ، فهؤلاء جعلوا الأحبار شركاء في الطاعة، كلما أمروا بشيء أطاعوهم، سواء وافق أمر الله أم لا. إذًا، فتفسير التوحيد أيضًا بلا إله إلا الله يستلزم أن تكون طاعتك لله وحده، ولهذا على الرغم من تأكيد النبي - صلى الله عليه وسلم - لطاعة ولاة الأمر، قال:"إنما الطاعة في المعروف" (2) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح بطرقه وشواهده: ابن ماجه (3989) ، الحاكم (1/4) (4/328) من حديث معاذ - رضي الله عنه -.
(2) البخاري: كتاب الأحكام/ باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، ومسلم: كتاب الإمام/ باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية.