فيكون بصيرًا بحكم الشرع، وبصيرًا بحال المدعو، وبصيرًا بالطريق الموصلة لتحقيق الدعوة، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ:"إنك تأتي قومًا أهل كتاب". وهذه ليست كلها من العلم بالحكم الشرعي، لأن علمي أن هذا الرجل قابل للدعوة باللين، وهذا قابل للدعوة بالشدة، وهذا عنده علم يمكن أن يقابلني بالشبهات أمر زائد على العلم بالحكم الشرعي، وكذلك العلم بالطرق التي تجلب المدعوين كالترغيب بكذا والتشجيع، كقوله - صلى الله عليه وسلم:"من قتل قتيلًا، فله سلبه" (1) ، أو بالتأليف، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين إلى مئة بعير، فهذا كله من الحكمة، فالجاهل لا يصلح للدعوة، وليس محمودًا وليست طريقته طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح.
قوله: { أنا ومن اتبعني } ، ذكروا فيها رأيين:
الأول:"أنا"مبتدأ، وخبرها"على بصيرة"،"ومن اتبعني"معطوفة على"إنا"أي: أنا ومن اتبعني على بصيرة، أي: في عبادتي ودعوتي.
الثاني:"أنا"توكيد للضمير المستتر في قوله:"أدعو"، أي: أدعو أنا إلى الله ومن اتبعني يدعو أيضًا، أي: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله ويدعو من اتبعني، وكلانا على بصيرة.
قوله: { وسبحان الله } ، أي: أن أكون أدعو على غير بصيرة! وإعراب"سبحان": مفعول مطلق عامله محذوف تقديره أسبح.
قوله: { وما أنا من المشركين } ، محلها مما قبلها في المعنى توكيد، لأن التوحيد معناه نفي الشرك.
(1) البخاري، كتاب الغزوات: باب قول الله تعالى: { ويوم حنين إذ أعجبتكم...? } ومسلم: كتاب الجهاد/ باب استحقاق القاتل سلب القتيل.