فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 1408

وأما مباشرة الأسباب والتداوي على وجه لا كراهة فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعًا، لما في الصحيحين"عن أبي هريرة مرفوعًا ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله"."وعن أسامة بن شريك قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وجاءت الأعراب، فقالوا يا رسول الله أنتداوى؟ قال: نعم. يا عباد الله تداووا، فإن الله - عز وجل - لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد. قالوا: وما هو؟ قال: الهرم" (1) رواه أحمد.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال قول من أنكرها، والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافى التوكل، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش، والحر والبرد: بأضدادها بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة. ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجز ينافى التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا.

وقد اختلف العلماء في التداوي هل هو مباح، وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟

(1) رواه أحمد في المسند (4/278) وصححه الألباني في غاية المرام (179) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت