(ق) : قوله:"ولا يتطيرون"، مأخوذ من الطير، والمصدر منه تطيّر، والطيرة اسم المصدر، وأصله: التشاؤم بالطير، ولكنه أعم من ذلك؛ فهو التشاؤم بمرئي، أو مسموع، أو زمان، أو مكان. وكانت العرب معروفة بالتطير، حتى لو أراد الإنسان منهم خيرًا ثم رأى الطير سنحت يمينًا أو شمالًا حسب ما كان معروفًا عندهم، تجده يتأخر عن هذا الذي أراده، ومنهم من إذا سمع صوتًا أو رأى شخصًا تشاءم، ومنهم من يتشاءم من شهر شوال بالنسبة للنكاح، ولذا قالت عائشة رضي الله عنها:"عقد علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شوال، وبنى بي في شوال؛ فأيكن كان أحظى عنده" (1) ، ومنهم من يتشاءم بيوم الأربعاء، أو بشهر صفر، وهذا كله مما أبطله الشرع؛ لضرره على الإنسان عقلًا وتفكيرًا وسلوكًا، وكون الإنسان لا يبالي بهذه الأمور، هذا هو التوكل على الله ، ولهذا ختم المسألة بقوله:"وعلى ربهم يتوكلون"؛ فانتفاء هذه الأمور عنهم يدل على قوة توكلهم.
(ف) : قوله: (وعلى ربهم يتوكلون) ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال والخصال وهو التوكل على الله ، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه، الذي هو نهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف: من المحبة والرجاء والخوف، والرضا به ربًا وإلهًا، والرضا بقضائه.
واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلًا، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري، لا انفكاك لأحد عنه، بل نفس التوكل: مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: '65: 3'"ومن يتوكل على الله فهو حسبه"أي كافيه وإنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها، توكلًا على الله تعالى، كالاكتواء والاسترقاء، فتركهم له لكونه سببًا مكروهًا، لا سيما والمريض يتشبث -فيما يظنه سببًا لشفائه - بخيط العنكبوت.
(1) أخرجه مسلم، كتاب النكاح، باب استحباب التزوج والتزويج في شوال، حديث (1423) .