أنه بلغ مرتبة عالية بين علماء الحنفية، ولكن من خلال النظر في كتبه التي ألفها العلامة الطرابلسي نجد سعة علمه، وعظيم إطلاعه على الكتب التي سبقته في التأليف، حيث إني لاحظت في أثناء تحقيقي لمتن مواهب الرحمن ورجوعي لشرحه البرهان أنه على دراية وافرة بكتب الحنفية السابقة، والمذاهب المخالفة، مما جعلت له هذه القدرة الفائقة، على صياغة كتابه المواهب، وجمعه لمسائل الخلاف بين المذاهب، وهو الملاحظ من خلال الكلام عن تلاميذه الذين أخذوا الفقه عنه.
وفي فن الحديث وعلومه، ومن خلال الكلام على شيوخه، تبين لنا الكتب التي قرأها ودرسها على أيدي أولئك العلماء، فقد قرأ شرح معاني الآثار للطحاوي [1] ، والآثار لمحمد بن الحسن الشيباني على العلامة السخاوي، وكذلك أخذ عن العلامة فخر الدين الديمي الأزهري شرح ألفية العراقي للناظم المسماة (( فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ) ).
وقد ظهرت هذه العلوم في كتبه ظهورًا جليلًا، وذلك من خلال اعتماده في الاستدلال بالسنة، وإيراد الأحاديث والآثار في المسائل الفقهية، وبيان رواياتها وطرقها وألفاظها المختلفة، والحكم على رجال الحديث، ونقل كلام علماء الجرح والتعديل فيهم، والتنبيه على ما في الأحاديث من علل توجب الرد، مما جعل كتابه البرهان يفوق كثيرًا من كتب الحنفية في هذا الجانب، ويمتاز عنهم بذلك.
(1) هو: أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، أبو جعفر، الفقيه، الإمام، الحافظ، ولد سنة 239 هـ. في قرية طحا، كان جريئًا بالحق، متواضعًا، طيب العشرة، لين الجانب، صحب المزني وتفقه به، ثم ترك مذهبه وصار حنفي المذهب، صنف كتبًا كثيرة منها: (( اختلاف العلماء ) )و (( شرح معاني الآثار ) )، ومات سنة 321 هـ. الجواهر المضية 1/ 271؛ تاج التراجم 100.