قال تعالى"وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا"لا يتعداه ولا يتقدمه ، تفيد هذه الجملة أن الجهاد والجرأة لا تقدم أجل الإنسان ، والجبن والحذر لا يؤخره ، فلا يموت الإنسان إلا بأجله المقدر له عند ربه ولو خاض فِي المهالك واقتحم المعارك وفيها إشارة إلى حفظ الرسول من القتل مع تكالب الأعداء عليه وحرصهم على قتله وإعلام بأن الحذر لا يغني عن القدر وإيذان بأن المقتول ميت بأجله ، قال صاحب الجوهرة:
وميت بعمره من يقتل وغير هذا باطل لا يقبل
"وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا"بعمله وطاعته"نُؤْتِهِ مِنْها"جزاء عمله كالذين تركوا مكانهم الذي عينه لهم حضرة الرسول وحذرهم مفارقته فتركوه وطلبوا الغنيمة حتى سببوا الانكسار"وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها"كالذين ثبتوا فِي محلهم الذي أمرهم بالبقاء به والذين ثبتوا مع الرسول ، وهي عامة فِي جميع الأعمال وخصوصها فِي أهل أحد لا ينفي عمومها وهكذا غيرها من الآيات لأن العبرة دائما لعموم اللفظ لا لخصوص السبب"وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ" (145)
الذين يريدون بعملهم وجه اللّه ، ولا تعد هذه الجملة مكررة لأنها منصرفة لمعنى آخر بالنسبة لما قبلها.
روى البغوي بسنده عن أنس بن مالك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: من كانت نيته طلب الآخرة جعل اللّه غناه فِي قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا راغمة ، ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل اللّه الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كتب له.
وروى البخاري ومسلم عن عمر بن الخطاب قال:
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها - وفي رواية يتزوجها - فهجرته إلى ما هاجر إليه.