فسماهم في آية واحدة كفارا وظالمين ، كما سمى اليهود والنصارى في تلك الآيات ، وسمى بالظلم والاقتصاد ، فعلمنا أن الظلم وإن جمعه اسم فهو يفارق به غيره ، وكذلك الكفر قد يكون بالله ، ويكون بنعمه. والكفر في اللغة: ستر الحق فيجوز أن يكون الحاكم بغير ما أنزل الله ساترا لأحكامه وهو مسلم ، ويكون ساترا لها وهو كافر وتختلف درجات الكفر في صفاقة ، الستر ورقته ، فيكون الجاحد بالغا أقصى عرضة والعاصي مجامعه في الفعل الظاهر مخالفه في الضمير الباطن فلا يستويان في العقوبة ولا يلتقيان في الدرجة ، هذا مالا يذهب على من
قصد الحق بنصح واستقامة ، وأضرب عن اللجاج والغلبة بباطل الاحتجاج.
فيه تثبيت قول الشافعي - رضي الله عنه - الدم أنجس من الذكر:
قوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ)
حجة للشافعي ، رضي الله عنه ، فيما عيب عليه من قوله: الدم أنجس من الذكر.
وقالوا: كيف يفضل جنس من النجس على جنس من الطاهر ، إنما
كان يجوز أن يقول: أنجس من الذكر لو كان الذكر نجسا ، وكان يفضل الدم في النجاسة عليه لئلا يستحيل كلامه.
فهذه الآية تصوب قوله. ألا تراه قال جل جلاله قبلها: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ(59) قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ) ،
ونحن لا نشك أن إيمانهم بالله
وما أنزل من كتبه خير لا شر وقد قال جل وعلا كما ترى: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ)