لا يكون خاطئا ما دام يأخذ حقه فإذا استوفاه، وأراد شيئا سواه استوجب كما كان ظالمه بأول درهم أخذه خائنا.
قال محمد بن علي: وأرى جماعة يحملهم شنئان داود الأصفهاني على العدوان عليه بإلزامه ما لم يلزمه والتقول عليه ما لم يقله، وداود وإن كان عندنا غير مرضي لتخاليط بلغتنا عنه، وصحت برواية الثقات عليه فليس بأعظم جرما ممن صد عن المسجد الحرام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأصحابه - رضي الله عنهم - من كفار قريش، وله بهم أسوة في ترك العدوان عليه، فمما يلزمونه ظلما ولا يلزمه: تحليل شحم الخنزير لتسمية اللحم بالتحريم في قوله:
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)
وهذا هو التعدي بعينه، وإضاعة المراقبة من ملزمه إن كان عالما، وإغفال متفاوت منه إن كان مجتهدا لإعواز الوصول إلى زكاة الخنزير بوجه من الوجوه الذي يصير به الحيوان ذكيا، فلما كان إفاتة روح الخنزير بوقذه وفري أوداجه وقطع حلقومه ومريه سيان كان شحمه إن لم يحرم باسمه حرم بأنه جزء من أجزاء الميتة المحرمة بنص القرآن، إذ اسم الميتة غير
مزائل خنزيرا فارقته الحياة، فصار لحمه وشحمه وعروقه وعصبه وكل ما فارقته الروح من بدنه ميتاً كله.
فكيف يلزم المسكين إباحة الميتة وهو من أشد الناس لزوما للنص، وهل يصل إلى شحم الخنزير معرى من شمول اسم الميتة له، حتى يلزمه إباحته، وإنما أفرد الله تحريم لحمه بالذكر، وهو أعلم واسم الميتة شاملة تأكيدا على ما كان آكلوه يفردونه ويفردون المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، واسم الميتة - لا محالة - شامل لجميع هذه الأشياء، فحرمها - جل وتعالى - عليهم مذكورة بأساميها المعروفة عندهم فيها، فلا وصول إلى لحم الخنزير ولا شحمه إلا بشمول اسم الميتة لهما.