والذي يراجع بعض كتب التفسير يرى كلاما كثيراً عما كان على المائدة من أصناف الطعام، وعن كيفية نزولها ومكانه، وعن كيفية استقبالها وكشف غطائها، والأكل منها والباقي عليها بعد الأكل. وهذا الكلام الكثير رأينا من الخير أن نضرب عنه صفحا، لضعف أسانيده، ولأنه لا يخلو عن غرابة ونكارة - كما قال ابن كثير - فقد ذكر - رحمه الله - أثرا طويلا في هذا المعنى ثم قال في نهايته: هذا أثر غريب جدا قطعه ابن حاتم في مواضع من هذه القصة، وقد جمعته أنا ليكون سياقه أتم.
ويعجبني في هذا المقام قول ابن جرير: وأما الصواب من القول فيما كان على المائدة، فأن يقال: كان عليها مأكول. وجائز أن يكون هذا المأكول سمكا وخبزاً، وجائز أن يكون من ثمر الجنة، وغير نافع العلم به، ولا ضار الجهل به، إذا أقر تالي الآية بظاهر ما احتمله التنزيل.
ويرى الحسن ومجاخد أن المائدة لم تنزل، فقد روى ابن جرير - بسنده - عن قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: {فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ} قالوا: لا حاجة لنا فيها فلم تنزل.
وروى منصور بن زادان عن الحسن أيضاً أنه قال في المائدة: إنها لم تنزل.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء .
أي: مثل ضربه الله للناس نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.
قال الحافظ ابن كثير: وهذه أساندي صحيحة إلى مجاهد والحسن وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. ولس في كتابهم، ولو كانت قد نزلت لكان ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله. وكأن يكون موجوداً في كتابهم متواتراً ولا أقل من الآحاد.
وقد علق بعض العلماء على كلام ابن كثير هذا فقال: ولنا أن نقول: إن هذا الاستدلال إن كان يعني عدم نزولها فقط، فقد يكون له شيء من الوجاهة وإن كان يعني أنها لا تنزل ولم يسأل، فهو محل نظير كبير، لأن السؤال مالم ينته بإجابة كونية فعلية تبرز بها المائدة للناس ويرونها بأعينهم ويلمسونها بأيديهم فلا يعد بذلك مما تتوافر الدواعي على نقله، لا سيما وعيسى في بيئة محصورة: جماعة سألوا وأجيبوا، وانتهى الأمر برجوعهم عما سألوا فعدم تواتر سؤالها في كتب النصارى أو عدم وجوده فيها لا يستغرب كما يستغرب الأمر فيما لو نزلت المائدة فعلا ورآها الناس فعلا وأكلوا منها. وتذوقوا طعامها، ولم يذكر عن ذلك شيء .