ومما يجدر بالذكر أن بعض كتب التفسير قد تضمنت بعض الآراء التي قد تضر بالعقيدة - إن سلمنا بها - ذكرها العلماء دون أن يقصدوا ما قد تؤدي إليه.
* منها على سبيل المثال ما ذكره السيوطي في الدر المنثور [جـ 1 ص 110] حيث قال: وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن [جعل] فهو خلق. انتهى كلامه.
وهذا المعنى قد ينطبق على بعض الآيات كقوله تعالى (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) لكن كيف ينطبق هذا المعنى على قوله تعالى (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) [الزخرف/3] أي خلقناه قرآنا عربيا، وهذا رأْيُ المعتزلة - معاذ الله أن نقرهم أو نوافقهم على تلك الضلالة، وعلى العكس من ذلك فقد يتضمن بعض التفاسير استطرادًا في تفسير آية يجيب به عن إشكالات طال فيها الكلام وكثر، ومن ذلك ما ذكره الإمام السمرقندي - رحمه الله - في تفسيره [بحر العلوم] في قوله تعالى عن اليهود (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ). فقال: وفي قوله (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) دليل على أن [لن] ليست للنفي على التأبيد كما يقول المعتزلة. انتهى كلامه ملخصًا.
ومن المعلوم أن المعتزلة استدلوا على نفْي رؤية المؤمنين لله تعالى في الجنة بظاهر قوله تعالى لموسى - عليه السلام - لما طلب الرؤية (قَالَ لَنْ تَرَانِي)
[الأعراف/ 143] فقالوا إن [لن] للنفي على التأبيد أي في الدنيا والآخرة، وفيما ذكره السمرقندي - رحمه الله - ردٌّ عليهم لأن نفْي تمنيهم الموت قاصرٌ على الدنيا فقط بدليل قوله تعالى على لسان أهل النار (وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) [الزخرف/77] فكما أن نفْي تمنيهم الموت قاصر على الدنيا فقط فكذلك نفي الرؤية قاصر على الدنيا فقط، ومن العجيب المبهر أن المعتزلة استدلوا على نفْي الرؤية بـ [لن] في قوله تعالى (لَنْ تَرَانِي) [الأعراف/143] وبـ [لا] في قوله تعالى (لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ) [الأنعام/103] والقرآن نفَى تمني اليهود الموت بـ [لن] في قوله تعالى (وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) [البقرة/ 95] وبـ [لا] في قوله تعالى (وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا) [الجمعة/ 7] .
فتأمل هذه اللطيفة - أسعدك الله بتقواه ومتعك فِي الجنة برؤياه - هذا وقد حاولت جاهدا ذكر كلام السادة المفسرين بعباراتهم الرشيقة كما وردت خوفا من الوقوع فِي الزلل، ولم أتصرف فيها إلا فِي القليل النادر، والنادر لا حكم له، مثل حذف الأسانيد مراعاة للإيجاز وتيسيرًا على القارئ، فإنه أقرب لفهم المراد، وكذلك لم أذكر ترجيح بعض الأقوال على بعض إلا من خلال كلام المفسرين إلا فِي النادر أيضا، وقد رجعت فِي كتابي هذا إلى مئات الكتب فِي مختلف الفنون بالإضافة إلى جميع كتب التفسير وعلوم القرآن المتاحة تحت يدي.