مَنْ رَاقَبَ النَّاسَ مَاتَ غَمّاً ... وَفَازَ بِاللَّذَّةِ الْجَسُوْرُ [1]
فَبَيْتُ سَلْمٍ: «أَجْوَدُ سَبْكاً، وَأَخْصَرُ لَفْظاً» .
2 -وَإِنْ كَانَ الثَّانِي دُوْنَ الْأَوَّلِ فِي الْبَلَاغَةِ؛ لِفَوَاتِ فَضِيْلَةٍ تُوْجَدُ فِي الْأَوَّلِ، فَالثَّانِي مَذْمُوْمٌ؛ كَقَوْلِ أَبِيْ تَمَّامٍ: [الكامل]
هَيْهَاتَ؛ لَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ ... إِنَّ الزَّمَانَ بِمِثْلِهِ لَبَخِيْلُ [2]
وَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ: [الكامل]
أَعْدَى الزَّمَانَ سَخَاؤُهُ؛ فَسَخَا بِهِ ... وَلَقَدْ يَكُوْنُ بِهِ الزَّمَانُ بَخِيْلَا [3]
فَقَوْلُهُ: (وَلَقَدْ يَكُوْنُ ... إِلَخ) مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِ أَبِيْ تَمَّامٍ: «إِنَّ الزَّمَانَ
(1) له في «شعراء عبّاسيّون» غوستاف: (شعر سلم الخاسر ص 104) ، وأغلب المصادر السّابقة، والأغاني (الشّعب) في ترجمته 22/ 7564. وفيه خبر لطيف، تأمَّلِ الحُكمَ النّقديّ لبشّار فيه، وصفوته: أنّ بشاراً غضب على سلم الخاسر - وكان من تلامذته ورواته- لمّا بلغه البيتُ، وحلف ألّا يُدخَل عليه وأنّه لن يفيده أو ينفعه مادام حيّاً، فاستشفع إليه بكلِّ صديق له وكلّ مَن يثقل عليه ردُّه فكلَّموه فيه، فقال: أدخلوه إليّ فأدخلوه إليه، فاستدناه، ثمّ قال: إيهِ يا سلمُ! مَن الّذي يقول:
مَنْ راقَبَ الناسَ لم يَظفَرْ بحاجته ... وفازَ بالطّيباتِ الفاتِكُ اللَّهجُ
قال: أنت يا أبا معاذ، جعلني الله فداءك. قال: فمن الّذي يقول:
مَنْ راقَبَ الناسَ مات غَمّاً ... وفاز باللَّذَّةِ الجَسُورُ؟
قال: تلميذك وخرّيجك وعبدك يا أبا معاذ، وبقي يتوسّل إليه، وبشَّار يضربه، ويقول: يا فاسق (أتجيء إلى معنى قد سهرتْ له عيني وتعب فيه فكري وسبقتُ النّاسَ إليه، فتسرقه ثم تختصره لفظاً تقرّبه به لتزري عليّ وتذهب ببيتي؛ وتكسوه ألفاظاً أخفّ من ألفاظي حتى يُروى ما تقول ويَذهب شعري؟ ! لا أرضى عنك أبدا) . وما زال يتضرّع إليه ويشفع له القوم حتّى رضي عنه.
(2) له في ديوانه 4/ 102، والوساطة ص 223، والإيضاح 6/ 125، وإيجاز الطّراز ص 491، ومعاهد التّنصيص 4/ 46.
(3) له في ديوانه 3/ 236، وتفسير أبيات المعاني من شعر أبي الطّيّب المتنبّي ص 213، والمصادر السّابقة.