الرُّسُلِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى تَكْذِيْبِهِ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِمَضْمُوْنِ الْجَوَابِ الْمَحْذُوْفِ، أُقِيْمَ مُقَامَهُ؛ أَيْ: (فَلَا تَحْزَنْ، وَاصْبِرْ) [1] .
ثُمَّ الْحَذْفُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيْلٍ، وَأَدِلَّتُهُ كَثِيْرَةٌ؛ أَشَارَ إِلَيْهَا بِقَوْلِهِ:
وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ: أَيْ عَلَى الْحَذْفِ
أَنْوَاعٌ: مُتَعَدِّدَةٌ
وَمِنْهَا الْعَقْلُ: أَيْ مِنْهَا: أَنْ يَدُلَّ الْعَقْلُ عَلَى الْحَذْفِ، وَالْمَقْصُوْدُ الْأَظْهَرُ عَلَى تَعْيِيْنِ الْمَحْذُوْفِ؛ نَحْوُ: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ } الآية [المائدة: 3] .
· فَالْعَقْلُ: دَلَّ عَلَى أَنَّ هَهُنَا حَذْفاً؛ إِذِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ دُوْنَ الْأَعْيَانِ [2] .
· وَالْمَقْصُوْدُ الْأَظْهَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمَذْكُوْرَةِ فِي الْآيَةِ: تَنَاوُلُهَا الشَّامِلُ لِلْأَكْلِ وَشُرْبِ الْأَلْبَانِ ... ؛ فَدَلَّ عَلَى تَعْيِيْنِ الْمَحْذُوْفِ [3] .
(1) والتّقدير: وإنْ يُكذِّبوك؛ فاصبرْ ولا تحزَنْ؛ فقد كُذِّبتْ رُسُلٌ من قبلك.
(2) لا تقصدُ الآيةُ تحريمَ هذه الأشياءِ بأعيانِها؛ إذْ لا معنى لذلك، وإنّما المقصودُ تحريمُ تناوُلِها والانتفاعِ بها ممّا يحدِّدُه العُرف؛ ونظيرُ ذلك: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ... ) [النّساء: 23] يعني: حُرِّمَ عليكم تزوُّجُهنّ. «وتعلُّقُ التَّحريم بأسماء الذَّواتِ يُحمَلُ على تحريم ما يُقصَدُ من تلك الذّات غالباً» التَّحرير والتّنوير 4/ 294.
(3) فصَّلَ النُّحاةُ الكلامَ على أدلّة الحذف؛ يُنظَر: سيبويه 2/ 130، والمقتضَب 3/ 254، والخصائص 2/ 360، والكشّاف 4/ 73، وشرح المفصَّل لابن يعيش 1/ 94
ومُغني اللّبيب 2/ 786 - 796، والتّفصيلُ في (الإيهام البلاغيّ - شعر أبي تمّام والبحتريّ أُنموذجاً) ص 331 وما بعدها.