فأجاب شيخ الإسلام جوابًا شافيًا مقنعًا مليئًا بالأدلة من الكتاب والسنة مستشهدًا بأقوال أهل العلم، وبين منزلة الدعاء من الدين، وحكم صرفه لغير الله، وحقيقة شرك المشركين الأولين، وهو اتخاذهم لأصنامهم شفعاء عند الله، وأن من هذه الأمة من يتخذ أصحاب القبور شفعاء، وهو بذلك مساوٍ لمشركي الجاهلية، ومنهم من يدعوهم من دون الله، وهؤلاء أغلظ شركًا من مشركي الجاهلية، ثم تعرّض لتقسيم الكفر إلى كفر أكبر وكفر أصغر، وإلى خفاء الشرك وكثير من أنواعه على كثير من المسلمين حتى وقع فيه بعض من ينسب إلى الأدب والعلم، ثم بيّن خطورة اتخاذ المشاهد والقباب على القبور المبالغ في تعظيمها وتزيينها، ثم بين الحكمة من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متخذي القبور مساجد.
ثم أنكر إدخال قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وما بني عليه بعد ذلك، وكيف كان اهتمام النبي - صلى الله عليه وسلم - بإزالة القبور المشرفة بحيث بعث أميرًا من أهله هو علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -؛ لطمس التماثيل، وتسوية القبور.
هذا مجمل ما احتوت عليه الرسالة، وهي قيِّمة في بابها، فرحمه الله وغفر له وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وهذه الرسالة قد قام بتحقيقها ونشرها د. محمد بن ربيع بن هادي المدخلي الأستاذ بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وقد طبعت للمرة الثانية عام (1419 هـ) .
تلك ثلاثة نماذج من جهود شيخ الإسلام محمد بن علي الشوكاني - رحمه الله -، الخاصة في مواجهة القبورية، وهناك جهود أخرى كثيرة موزعة أثناء تراثه العظيم الذي خلّفه؛ ليستضيء به العلماء، ويتربى عليه الطلاب، ويرجع إليه المختلفون في كثير من القضايا، فهو لم يغفل مواجهة القبورية في تفسيره ولا أغفلها في شروحه للأحاديث وكتب الفقه، وما سهى عنها في فتاواه وردروده على الأسئلة عند أدنى مناسبة، فقد عاش هذه القضية بكل حواسه، وتفاعل معها بكل عواطفه، لذلك قال د. إبراهيم هلال، وهو يتكلم عن دعوة شيخ الإسلام الشوكاني إلى إخلاص شهادة لاإله إلا الله: (وقد أخذت هذه الدعوة منه حيزًا كبيرًا، بحيث صار فيها في اليمن إمامًا كابن عبدالوهاب في الحجاز من قبل، وابن تيمية في مصر والشام، ولاقى من جرائها الكثير من