ولكن يجب ألا يخفى على علماء اليمن وحكامه أن مجرد زوال دولة الباطنية لا يكفي، فدولتهم قد زالت قديمًا بزوال ابن الفضل ومنصور اليمن وأتباعه، ولكن نارها مازالت تدب تحت الرماد حتى مرت بها ريح الصليحي، فأشعلتها أقوى من ذي قبل، وملك جميع اليمن كما هو معلوم، ثم زالت دولته، وبقي فكره وعقائده ودعوته، وبقي دعاته يخلف بعضهم بعضًا، ويوصي بحفظ الدعوة والحفاظ عليها في دور الستر كما يقولون حتى يحين دور الظهور الجديد، وبقيت كتبهم متوفرة، وهي أعظم ما يقوم عليه منهج الإسماعيلية في العالم كله، هذه الكتب محفوظة كما يؤكِّد ذلك الدكتور حسين الهمداني في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء وبعض المكتبات الخاصة وبعض المتاحف ودور الكتب العالمية، وقد بدأت موجة إحياء لهذه الكتب ونشر وتحقيق في أكثر من بلد؛ وذلك للتحول الجديد في العالم وطغيان الحرية الفكرية والعقائدية، فبعد أن كان الباطنية يتخفون غاية التخفي بعقائدهم، ويخفون كتبهم عن أهل نحلتهم حتى يصلوا إلى مستوى معين من الفهم والقناعة بما لديهم، أصبحوا اليوم يتباهون بما هم عليه، وينشرون تلك الكتب على الملأ، ويتظاهر بعض الباحثين بانتسابه إليهم، ويؤرخ لهم مادحًا شارحًا لبعض قضاياهم التي كانت في غاية السرية.
إذًا هذا الفكر الضال والمعسول في نفس الوقت الذي ينبني على الفلسفة والخطاب العقلي والعاطفي في آنٍ واحد، جدير بالاهتمام والحذر واتخاذ التدابير الواقية من بعثه وافتتان الناس به في المستقبل.
واسمع إلى الدكتور حسين الهمداني، وهو أحد الباحثين الباطنية الإسماعيلية المحدثين، وهو يمني حيث يقول في كتابه"الصليحيون والحركة الفاطمية في اليمن"تحت عنوان"الثروة العلمية الفاطمية في اليمن": (ترى أن دعوة اليمن مضت من يوم وفاة السيدة الحرة الملكة الصليحية إلى انتهاء الدولة الأيوبية في اليمن في مرحلة تمتاز بنشاط علمي وجمع شتات التراث الفكري وتسجيلها في كتب