الخليفة المستنصر وباب أبوابه المؤيد بتنفيذ سياسة معينة بالنسبة إلى إقامة الدعوة ونقل آدابها وعلومها إلى اليمن، وأنه لُقِّب بلقب داعي القلم في عهد الملك المكرم أحمد الصليحي، ولقب داعي البلاغ في عهد الملكة الحرة، وقد اختار هذا الداعي نخبة من التلامذة الأفذاذ البعيدين عن الملك أمثال ابنه يحيى بن لمك والذؤيب ابن موسى الوادعي وإبراهيم بن الحسين الحامدي، وسلم إليهم كل ما كان أخذه من علوم الدعوة أيام إقامته بمصر) [1] ، وبهذا كوّنوا الأساس المتين لصرح دعوتهم الذي يعول عليه في بقائها واستمرارها حتى إن ذهبت الدولة، بقيت الدعوة محافظة على كيانها، بل ازدهر علمها في تلك الفترة أكثر فأكثر.
يقول الهمداني: (نرى أن دعوة اليمن مضت من يوم وفاة السيدة الحرة الملكة الصليحية إلى انتهاء الدولة الأيوبية في اليمن في مرحلة تمتاز بنشاط علمي، وجمع شتات التراث الفكري، وتسجيلها في كتب ومؤلفات وحفظ ما تركه المؤلفون الدعاة في عهد الخلفاء الفاطميين، وقد بدأت هذه الحركة العلمية في حياة الملك المكرم والملكة الحرة بعد عودة قاضي قضاة اليمن لمك بن مالك الحمادي من الديار المصرية إلى مقر الدولة الصليحية، وقد سبق أن ذكرنا أن داعي الدعاة المؤيد في الدين الشيرازي قرر في أواخر عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي خطوط برنامج الدعوة العلمي، وكلف القاضي لمك تنفيذ هذا البرنامج، ونقل القاضي كتب الدعوة وما احتوته من العلوم إلى اليمن. ثم قررت السيدة الملكة الحرة بعد وصول القاضي إلى اليمن فصل الدعوة عن شؤون الملك، وعينت الملكة يحيى بن لمك والداعي الذؤيب بن موسى الوادعي للإشراف على تنفيذ هذا المشروع العلمي البعيد عن التيارات السياسية، فابتدأت الدعوة تعمل لهذا الغرض في عهد الداعي الذؤيب بن موسى الوادعي، ومأذونه السلطان الخطاب بن الحسن الحجوري، ثم أظهر الداعي إبراهيم بن الحسين الحامدي، ومأذونه الشيخ علي بن الحسين بن جعفر بن الوليد القرشي، والشيخ محمد بن طاهر الحارثي نشاطًا بليغًا في هذا الصدد، وبلغ الداعي حاتم بن إبراهيم الحامدي، والداعي علي بن محمد بن الوليد من إنتاجهما الأدبي مبلغًا لا يستهان به. وأثبت الداعي علي بن حنظلة خلاصة بعض علوم الدعوة في رسالته وأرجوزته. وقد واصل علماء اليمن هذا النشاط العلمي في القرون التالية إلى عهد الداعي إدريس عماد الدين الأنف القرشي المتوفى سنة اثنتين وسبعين وثمان مائة، بل إلى أيامنا هذه. ومن هذا العرض السريع نأخذ فكرةعما
(1) الصليحيون ص (268) .