{قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26]
وقالوا [1] في قوله تعالى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} أي: يعْطي مَن اقتضتْه الحكمة المُلْك [2] ، يريدون أنَّ الحِكْمة تقتضي رعاية المصْلحة، ويدَّعون وجوب ذلك على الله، تعالى الله عن قولهم [3] .
(1) أي: ا لمعتزلة، انظر: الفتح: 13/ 458.
(2) انظر الكشاف للزمخشري: 1/ 421،"مفاتيح الغيب"للرازي: 8/ 6،"البحر المحيط"لأبي حيان: 2/ 419 - 420.
(3) قلت: قد أصاب المعتزلة في هذا الباب من جهة وأخطؤوا من جهتين، فأصابوا في إثباتهم الحكمة لله - عزَّ وجلَّ - وأنَّه - سبحانه - لا يفعل فعلًا خاليًا من الحكمة، بل كلُّ أفعاله مقصودة لعواقبها الحميدة وغاياتها المحبوبة.
وأخطؤوا حين أوجبوا على الله فعل الأصلح للعبد بإجماعهم في دين العبد، وتنازُعهم في دنياه، والله - عزَّ وجلَّ - لا مكره له {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23] .
كما أخطؤوا حين جعلوا تلك الحكمة المثبتة مخلوقة، لا ترجع إلى الله - عزَّ وجلَّ - بل إلى العبد وحده، وذلك على فاسد أصولهم في نفْي قيام الصفات به - تعالى.
انظر في تقرير عقيدة المعتزلة في ذلك أو الرد عليها:"الفصل"لابن حزم: 3/ 164 وما بعدها،"الإرشاد"للجويني: 247 وما بعدها، مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية: 4 - 5/ 293، مجموع الفتاوى لابن تيمية: 8/ 38،"الفرق بين الفرق"للبغدادي: 160،"الملل والنحل"للشهرستاني: 1/ 45 وما بعدها،"مفتاح دار السعادة"لابن القيم: 2/ 443 - 444،"شفاء العليل"له أيضًا: 2/ 153 - 155،"المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنَّة منها"للمعتق: 198 - 201،"ابن القيم وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف"لعبدالله محمد جار النبي: 273 - 276،"معالم أصول الفقه عند أهل السنَّة"للجيزاني: 332 - 338،"القضاء والقدر"للمحمود: 177 - 180.
والمعتزلة هم الذين انفردوا بالقول بوجوب الأصلح، وقد خالفتْهم فرقتان، إحداهما مخطئة والأخرى مصيبة، أمَّا المخطئة فنفت الحكمة وأنكرت التَّعليل وقالت: إن الله - تعالى - خلق المخلوقات وأمر المأمورات لا لعلَّة ولا لداع أو باعث ولا لمصلحة، بل فعله لمحض المشيئة وصرف الإرادة، وهذا مذهب الجهميَّة والأشاعرة، وهو قول ابن حزم وأمثالِه من نفاة القياس، وهو ممَّا عُلِم بطلانه بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة وصريح المعقول، انظر في عرْض قولهم أو الرَّدِّ عليه:"الإرشاد"للجويني: 234 وما بعدها، و: 254 - 255،"نهاية الإقدام في علم الكلام"للشهرستاني: 297،"الفصل في الملل والأهواء والنحل"لابن حزم: 3/ 174،"منهاج السنة"لابن تيمية: 1/ 325، مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية: 5 - 4/ 286، مجموع الفتاوى له أيضًا: 8/ 37 - 38 و 434،"شفاء العليل"لابن القيم: 2/ 127 وما بعدها،"كشف الأسرار"للبخاري: 2/ 660،"السبب عند الأصوليين"د. الربيعة: 1/ 203،"ابن حزم وموقفه من الإلهيات"للحمد: 463،"موقف ابن تيمية من الأشاعرة"للمحمود: 3/ 1310 - 1315،"القضاء والقدر"له أيضًا: 176 - 177،"ابن القيم وجهوده في الدفاع عن عقيدة السلف"لعبدالله جار النبي: 259 - 274،"معالم أصول الفقه عند أهل السنَّة"للجيزاني: 332 - 338،"موقف المعتزلة من السنة النبوية"لأبي لبابة حسين: 64 - 66.
وأمَّا الفرقة المصيبة، فهم أهل السنَّة والجماعة، الذين يثبتون لله - تعالى - الحكمة التَّامَّة في أوامره ومخلوقاته، ويقولون بأنَّها صادرة عنه لغاية مقصودة، هي المصالح التي تعود على عباده ويعود منها عليه حبُّه ورضاه والثناء عليه بما هو أهله، كلُّ ذلك من غير ما إيجاب عليه إلاَّ ما أوجبه - سبحانه - على نفسه، بل هو محْضُ تفضُّل منه وتكرم وإحسان. انظر: كتُب أهل السنة المذكورة قبل في هذا الهامش.