{وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ}
[آل عمران: 42]
واستدلَّ [1] بقوله - تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ} ، على أنها كانت نبيَّة، وليس بصريحٍ في ذلك [2] ، وأيَّد بذكرها مع الأنبياء في سورة مريم [3] ، ولا يمنع وصفها بأنها صدِّيقة فقد وُصِف يوسف بذلك [4] ."الفتح": 6/ 542.
(1) أي: استدل بعض القائلين بنبوَّة مريم كالقرطبي في"تفسيره": 4/ 82 - 83.
(2) لأن الاصطفاء اختيارٌ وتفضيل، وتفضيلها سواء أكان على نساء زمانها أم على كافَّة النساء في جميع الأزمنة، أم كان خاصًّا بولادتها لعيسى - عليه السلام - من غير أبٍ أو بقبول الله - تعالى - لها خادمة لبيت المقدس ولم تخدم فيه قبلها أنثى، أم بسلامتها من نخس الشيطان حين ولادتها كرامة من الله - عز وجل - لها، لا دليل فيه على نبوتها، بل إن الله - عز وجل - قد صرَّح باصطفاء غير الأنبياء قال - عز وجل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32] ، وقال - عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 33] ، ومن آل إبراهيم وآل عمران مَن ليس بنبي جزمًا.
انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 6/ 393،"الكشف والبيان"؛ للثعلبي: 3/ 49 ب،"البسيط"؛ للواحدي؛ تحقيق: الحمادي: 1/ 401 - 402،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 3/ 82،"النكت والعيون"؛ للماوردي: 1/ 392،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 1/ 387،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 2/ 456،"الرسل والرسالات"؛ للأشقر: 88.
(3) جاء في سورة مريم ذكرُ مريم بعد ذكر الله - عز وجل - لزكريا ويحيى، وقبل ذكره - سبحانه - لعيسى وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإدريس، ثم قال - عز وجل: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ... } [مريم: 58] ، قال ابن حزم في"الفصل في الملل والأهواء والنحل": 5/ 18:"وهذا هو عمومٌ لها معهم لا يجوز تخصيصها من جملتهم".
قلت: إنما لا يجوز تخصيصها مع عدم الدليل، أما والله - عز وجل - يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ} [الأنبياء: 7] فلا، وجواب المخالف عن الآية بالقول بأن الرسالة أخصُّ من النبوة، مبنيٌّ على أن الرسول مَن أُوحِي إليه بشرعٍ وأُمِر بتبليغه، والنبي مَن أوحي إليه بشرعٍ ولم يُؤمَر بتبليغه، وهذا غيرُ مسلَّم، بل الأظهر أن الرسول مَن أمر بتبليغ شرعٍ جديد أُوحِي إليه، والنبي مَن أمر بتبليغ شريعة أحد الرسل قبله دون أن يُوحَى إليه بشرع جديد، والله أعلم.
(4) هذا كلام قريبٌ من كلام ابن حزم في"الفصل": 5/ 18، وقد وُصِفت مريم بالصديقة في قوله - عز وجل: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ} [المائدة: 75] ، ووُصِف يوسف بالصديق في قوله - عز وجل: {يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ} [يوسف: 46] ، وليس النزاع في الوصف بالصديقية فقد وُصِف به إبراهيم وإدريس أيضًا، ولكن وصف مريم به جاء في مقام الثناء عليها من الله - عز وجل - والإخبار بفضلها، فلو كان هناك وصف أعلى من ذلك لوصَفَها به، على أنه لم يأتِ نصٌّ صحيح صريح يخبرنا بنبوَّة واحدة من النساء كما زعم ذلك ابن حزم والقرطبي ومَن وافقهما - رحمة الله على الجميع.
انظر:"مجموع الفتاوى"؛ لابن تيمية: 4/ 396،"البداية والنهاية"؛ لابن كثير: 2/ 59،"الرسل والرسالات"؛ للأشقر: 89.