{وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} وظاهره أن مريم أفضل من جميع النساء، وهذا لا يمتنع عند مَن يقول: إنها نبية، وأمَّا مَن قال: ليست بنبية فيحمله على عالمي زمانها [1] ."الفتح": 6/ 543.
{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43]
"قوله: {وَارْكَعِي} ؛ أي: صلِّي، من تسمية الشيء ببعضه" [2] "الهدي": 131.
(1) على القول بعدم نبوَّتها ليس بالضرورة على أن تحمل على عالمي زمانها.
(2) هذا قول ابن عطية في"المحرر الوجيز": 3/ 84، والزمخشري في"الكشاف": 1/ 429، والبقاعي في"نظم الدرر": 4/ 373، وصديق خان في"فتح البيان": 1/ 233، والسعدي في"تيسير الكريم الرحمن": 106، والقاسمي في م"حاسن التأويل": 4/ 97؛ أي: أن الركوع في الآية ليس المراد به جزء الصلاة المعروف بل الصلاة كلها، والذي دفع مَن قال بذلك إلى اختياره مع أنه خلاف الظاهر أحد أمرين:
أ- تقديم السجود على الركوع في الآية مع أنه متأخِّر عن الركوع في الكيفية، وأُجِيب عن ذلك بأن الواو لا تقتضي ترتيبًا، وقدَّم السجود لشرفه؛ إذ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
ب- أن صلاتهم لا ركوع فيها، كما ذكره أبو حيان والبقاعي، وسُمِّيت الصلاة ركوعًا؛ لأن الصلاة أحد معاني الركوع في اللغة أفاده البقاعي.
انظر:"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 2/ 457،"نظم الدرر"؛ للبقاعي: 4/ 379،"محاسن التأويل"؛ للقاسمي: 4/ 98،"تاج العروس"؛ للزبيدي: 11/ 177.
وذهب آخرون إلى أن المراد بالركوع في الآية جزء الصلاة المعروف، وأُخِّر على السجود إمَّا لأن الصلاة كانت على هذا الترتيب في شريعتهم، وإما لتقدم السجود في الشرف عليه.
انظر:"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 2/ 456 - 457،"معاني القرآن وإعرابه"؛ للزجاج: 1/ 410،"النكت والعيون"؛ للماوردي: 1/ 392،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 1/ 388،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 3/ 157.
وقال آخَرون: معنى الركوع في الآية الخشوع لله والخضوع له بالطاعة، قاله الطبري في"جامع البيان": 6/ 404 و: 1/ 574 - 575، وانظر:"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 8/ 48. والأظهر - والله أعلم - القول الأول؛ إذا لم يكن في صلاتهم ركوع، أمَّا إذا كان فيها ركوع فلا ضرورة تخرج اللفظ عن ظاهره، والحمل على الحقيقة الشرعية أَوْلَى ما لم يكن هناك دليل يترجَّح به المعنى اللغوي، انظر:"إيثار الحق على الخلق"؛ لابن الوزير: 154،"شرح الكوكب المنير"؛ لابن النجار: 3/ 434، ا"لتمهيد"؛ لأبي الخطاب: 2/ 362،"أصول في التفسير"؛ لابن عثيمين: 31،"مذكرة في أصول الفقه"؛ للشنقيطي: 209 - 210،"قواعد الترجيح عند المفسرين"؛ للحربي: 2/ 401 - 407.
وما ذكره الطبري إن أراد أن الركوع المعروف أو الصلاة التي تتضمَّنه هي: خضوع وخشوع فنعم، وإن أراد أنه في الآية مطلق الخضوع والخشوع ففيه نظر، والله أعلم.