أو هو [1] من تخصيص بعض أفراد العُمُوم بالذكر فلا مفهوم له؛ كقوله تعالى: {لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] ، {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ} [الأنعام: 151] ، فإن قتْل الأولاد ومضاعفة الربا والإضلال في هذه الآيات؛ إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا لاختصاص الحكم [2] ؛"الفتح": 1/ 241.
{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134] .
قوله: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} ؛ أي: الكاتمين، يقال: كظم الغيظ أي: احتمله، وصبر عليه؛ أي: حبسه [3] ؛"الهدي": 189.
(1) يريد لفظ {ليضل} في قوله - عز وجل: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ} [الأنعام: 144] ؛ انظر:"الفتح": 1/ 241.
(2) بالنسبة لآية آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} [آل عمران: 130] ، فإن كون الحال {أَضْعَافًا} ليس لتقييد النَّهْي عن الربا، وجعل الحرمة مختصة في حالة الربا الشنيع الذي هو: {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} محل إجماع عند أهل العلم، وسيقتِ الآية كذلك مراعاةً لواقعهم وعادتهم التي هم عليها، فقد روى مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء وزيد بن أسلم وغيرهم: أن الرجل في الجاهلية كان يربي إلى أجل، فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل، وهكذا عند كل أجل، حتى يستغرق بالشيء القليل المال العظيم، فنهوا عن ذلك؛ انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 7/ 204 - 205،"تفسير ابن أبي حاتم": 2/ 540،"الكشف والبيان"؛ للثعلبي: 3/ 115 ب،"معاني القرآن"؛ للنحاس: 1/ 474،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 1/ 458،"معالم التنزيل"؛ للبغوي: 2/ 103،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 463،"أحكام القرآن"؛ للجصاص: 2/ 55،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 9/ 2،"إرشاد العقل السليم"؛ لأبي السعود: 2/ 84،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 2/ 329،"محاسن التأويل"؛ للقاسمي: 4/ 227،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 4/ 55، وفي عصرنا وجد من يفتري على الله الكذب، ويزعم اختصاص حرمة الربا بالربا الفاحش {أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} استدلالًا بهذه الآية، قال سيد في"الظلال": 1/ 473:"فإن قومًا يُريدون في هذا الزمان أن يتواروا خلف هذا النص ويتداروا به؛ ليقولوا: إن المحرم هو الأضعاف المضاعفة، أما الأربعة في المائة والخمسة في المائة، والسبعة والتسعة ... فليست أضعافًا مضاعفة، وليست داخلة في نطاق التحريم، ونبدأ فنحسم القول بأن الأضعاف المضاعفة وصف لواقع، وليست شرطًا يتعلق به الحكم، والنص الذي في سورة البقرة قاطع في حرمة أصل الربا بلا تحديد ولا تقييد، {وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} [البقرة: 278] أيًّا كان"؛ وانظر:"عمدة التفسير"؛ لأحمد شاكر: 3/ 38، و"تفسير القرآن الكريم"؛ لمحمود شتلتوت: 158.
(3) لا خلاف بين المفسرين في تفسير الكظم للغيظ في الآية بالكتم والحبس، وإن اختلفت عباراتهم بين إمساكه ورده وكفه والسكوت عنه وعدم إظهاره وتجرُّعه عند امتلاء النفس منه وعدم كشفه؛ انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 7/ 214،"معاني القرآن"؛ للزجاج: 1/ 469،"الكشف والبيان"؛ للثعلبي: 3/ 117 ب وما بعدها،"البسيط"؛ للواحدي - تحقيق الحمادي: 2/ 768 - 772،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 1/ 460،"معالم التنزيل"؛ للبغوي: 2/ 105،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 464،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 56 و 58،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 3/ 233 وغيرها.