{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178] .
أيظنون أن المال الذي نرزقهم إياه لكرامتهم علينا؟ إن ظنوا ذلك أخطؤوا، بل هو استدراج كما قال - تعالى: {وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا} [آل عمران: 178] [1] ؛"الفتح": 11/ 276.
سورة آل عمران: 179
{مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179] .
واستفيد من هذه الكائنة [2] ... التحرُّز من العدو الذين كانوا يظهرون أنهم منهم وليسوا منهم، وإلى ذلك أشار - سبحانه وتعالى - في سورة آل عمران أيضًا ... وقال: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [3] ؛"الفتح": 7/ 409.
(1) أصل الإملاء من الملوة، وهي المدة من الزمان، والمعنى: لا يظن الذين كفروا أن تطويلنا أعمارهم وإمهالهم وتخليتهم وشأنهم خير لأنفسهم ومحبة منا لهم، بل هو سببٌ مزيد عذابهم بكثرة طغيانهم ومعاصيهم، واستخدامهم نعم الله - عز وجل - عليهم في غير ما خلقت له؛ انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 7/ 423،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 3/ 303 - 304،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 4/ 287،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 124،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 601"محاسن التأويل"؛ للقاسمي: 4/ 299،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 4/ 135،"تيسير الكريم الرحمن"؛ للسعدي: 125، وغيرها.
(2) أي: غزوة أحد؛ انظر:"الجامع الصحيح"،"فتح": 7/ 401، و"الفتح": 7/ 409.
(3) معنى الآية على قول أكثر أهل المعاني: أن الله - تعالى - ما كان ليترككم على ما أنتم عليه من اختلاط بعضكم ببعض، لا يعرف مؤمنكم المخلص من المنافق حتى يبتليكم؛ فيميز بهذا الابتلاء المنافق من المؤمن، وقد حصل هذا يوم أُحُد عند رجوع المنافقين إلى المدينة وإظهارهم النفاق، وتخلِّيهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد خروجهم معه إلى المعركة، وذكر عن قتادة أن المعنى: حتى يميز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد، وعن السُّدِّي قال: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} ، قالوا: إن كان محمدٌ صادقًا فليخبرنا بمن يؤمن بالله ومَن يكفر، فأنزل الله: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} : حتى يخرج المؤمن من الكافر"، قال الطبري: 7/ 426:"والتأويل الأول أوْلى؛ لأن الآيات قبلها في ذكر المنافقين، وهذه في سياقتها، فكونها بأن تكون فيهم أشبه منها بأن تكون في غيرهم"؛ انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 7/ 424 - 436، "الكشف والبيان"؛ للثعلبي: 3/ 160 أ،"البسيط"؛ للواحدي - تحقيق الحمادي: 3/ 991،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 3/ 304، "معاني القرآن"؛ للنحاس: 1/ 514،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 9/ 114،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 528،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 4/ 289."