أنَّ الإسلام يُطلق ويراد به الحقيقة الشرعية، وهو الَّذي يرادف الإيمان وينفع عند الله، وعليه قوله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [1] ."الفتح": 1/ 100.
وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} والإسلام حيث أطلق مفردًا دخل فيه الإيمان [2] ."الفتح": 1/ 128.
(1) لا خلاف بين أهل العلم أنَّ المراد بالإسلام في الآية الدين كله اعتقادًا وقولًا وعملًا، انظر:"المحرر الوجيز"لابن عطية: 3/ 42،"مفاتيح الغيب"للرازي: 7/ 225،"الجامع لأحكام القرآن"للقرطبي: 4/ 43 - 44،"فتح القدير"للشوكاني: 1/ 486،"عمدة القاري"للعيني: 1/ 191،"فتح البيان"لصديق خان: 2/ 205،"التحرير والتنوير"لابن عاشور: 3/ 189، وغيرها.
(2) ظاهر كلام الحافظ هنا أنَّه يرى رأْي جمهور أهل السنَّة في التَّفريق بين الإسلام والإيمان إذا اقترنا في الذِّكْر، بحيثُ يكون معنى الإسلام: الأعمال الظَّاهرة من نطق اللسان وعمل الجوارح، ويكون معنى الإيمان: الأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها، أمَّا إذا انفرد أحدهما عن الآخر في الذكر فيكون معناه شاملًا للدين كله اعتقادًا وقولًا وعملًا، وانظر تصريح الحافظ بذلك في"الفتح": 1/ 141 و: 11/ 164، وانظر أيضًا: منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري لمحمد إسحاق: 946، ومنهج الحافظ ابن حجر في تقْرير العقيدة من خلال كتابه فتح الباري للؤلؤة المطرودي: 454.
وهذا قول ابن عباس والحسن وابن سيرين والنخعي وقتادة والزهري وحمَّاد بن زيد وابن أبي ذئب وأحمد وأبي جعفر الباقر وعبدالرحمن بن مهدي وابن معين وأبي خيثمة وابن جرير والخطَّابي واللالكائي وسهل التستري وابن الصلاح وابن تيميَّة وابن كثير وابن رجب في طوائف غيرهم.
وذهب بعض أهل السنَّة إلى أنَّهما اسمان لمسمًّى واحد، هو الدين كله اعتقادًا وقولًا وعملًا، وممَّن نقل عنْه هذا القول البخاري، وقال به محمد بن نصر المروزي والمازني وابن منده وابن عبدالبر وأبو يعلى وإسماعيل القاضي، وهو ظاهِر قول البغوي في"شرح السنة": 1/ 10، وأبي عوانة في مسنده: 1/ 6 - 7، وهو قول الحنفيَّة، ونسبه المروزي في"تعظيم قدر الصلاة" (2/ 592) للجمهور الأعظم من أهل السنَّة والجماعة وأهل الحديث، وقال ابن عبدالبر في"التمهيد" (9/ 250) :"وعلى القول بأنَّ الإيمان هو الإسلام جمهور أصحابنا وغيرهم من الشَّافعيِّين والمالكيِّين، وهو قول داود وأصحابه وأكثر أهل السنَّة والنَّظر المتَّبعين للسنة والأثر".
انظر في المسألة:"الإيمان"لابن تيمية: 9 - 11 و 225 و 341 - 358،"التمهيد"لابن عبدالبر: 9/ 247 - 251،"تعظيم قدر الصلاة"للمروزي: 2/ 506 - 566،"شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة"للالكائي: 4/ 812 - 815،"الإيمان"لابن منده: 1/ 311 وما بعدها،"جامع العلوم والحكم"لابن رجب: 1/ 104 - 111،"معاني القرآن"للزجاج: 5/ 38،"جامع البيان"للطبري: 22/ 316،"تفسير القرآن العظيم"لابن كثير: 4/ 257،"شرح العقيدة الطحاويَّة"لابن أبي العز: 490 - 494، شرح مسلم للنووي: 1/ 205 - 207، مسند أبي عوانة: 6 - 7،"مسائل الإيمان"للقاضي أبي يعلى: 429،"أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري"للخطابي: 1/ 160 - 161،"شرح كتاب الفقه الأكبر"للقاري: 304 - 305،"فتح الباري": 1/ 140،"معارج القبول"للحكمي: 2/ 595 وما بعدها،"أعلام السنة المنشورة"له أيضًا: 35، مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين: 1/ 47 - 49،"أيسر التفاسير"للجزائري: 4/ 299،"نواقض الإيمان الاعتقادية"للوهيبي: 1/ 57 - 81،"أصول الدين عند أبي حنيفة"للخميس: 403 - 443، الإمام محمد بن نصر المروزي وجهوده في بيان عقيدة السلف للنفيعي: 1/ 225 - 315،"حقيقة الإيمان عند أهل السنَّة"للمصري: 163 - 179، وغيرها.
والخطْب في المسألة يسير، والرَّاجح ما ذهب إليه الجمهور من التَّفريق بينهما إذا اجتمعا ومنهم الحافظ؛ لقوَّة أدلتهم، ومنها قوله - عزَّ وجلَّ: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الحجرات: 14] ، وتعريفه - صلى الله عليه وسلم - في حديث جبريل الشَّهير عند البخاري"فتح": 1/ 140 رقم: 50 - الإيمان بالإيمان بالله وملائكته وكتُبه ورسله واليوم الآخر، والإسلام بعبادة الله وعدَم الإشراك به وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وقوله - صلى الله عليه وسلم - كما في البخاري"فتح": 1/ 99 - 100 رقم: 27 لسعد بن أبي وقاص حين قال: يا رسولَ الله، ما لك عن فلان؟ فوالله إني لأراه مؤمنًا؟ فقال: (( أو مسلمًا ) ).