فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 285

دون الله، وهذا الصنف هو الطاغوت الذي ورد ذكره في كتاب الله ثماني مرات كلها في سياق العبودية لله والتبرؤ من هذا الشيطان المتأله.

وقد عرّف الإمام الطبري الطاغوت تعريفًا جامعًا حيث يقول:"والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله فعُبِد من دونه، إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانًا كان ذلك المعبود، أو شيطانًا، أو وثنًا، أو صنمًا، أو كائنًا ما كان من شيء" [1] .

وقد عرَّفه ابن القيم رحمه الله بأنه:"ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع" [2] ، وهذا تعريف عام يحتاج إلى بعض الدقة كي يكون جامعًا مانعًا وهذا ما اقترب منه الإمام الطبري، حيث إن تعريفه يعرض عليه إشكال إذ إنه جعل الأصنام والأوثان من الطواغيت مع أنها أحجار لا حول لها ولا قوة ولا ينطبق عليها بأي حال معنى الطغيان ومجاوزة الحد، نعم هي عُبِدت وما زالت تُعبد من دون الله، ولكن هذه العبادة لها لا تجعلها من الطواغيت بل هي باطل بوصفها هذا، وإن شئت فقل هي جبت كما وصفها رب العزة في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا} [3] ، ففي هذه الآية دليل على خصوصية الطاغوت بالجن والإنس دون الوثن، فلو كان الطاغوت جامعًا للمكلفين وغيرهم من الجمادات لاكتفى رب العزة بذكرها دون الجبت، ولما كان لذكر الجبت بعد الطاغوت فائدة، ذلك أن معنى الجبت يتعدى المكلفين إلى الجمادات والأمور المعنوية، فهذا ابن الخطاب رضي الله عنه يعرف لنا الجبت والطاغوت فيقول:"الجبت السحر، والطاغوت الشيطان،" [4] والسحر معنى غير عاقل، وقد ورد عن ابن عباس:"الجبت: الشرك، وعنه الجبت الأصنام"، أما الطاغوت فلم يخرج تأويله عند أهل التفسير عن كونه إما الشيطان على العموم، أو أحدًا من

(1) - جامع البيان - للطبري - م 3 - ج 3 - ص 27

(2) - التفسير المنير - ج 3 - 26

(3) - سورة النساء، الآية 51

(4) - تفسير القرآن العظيم - لابن كثير - ج 4 - ص 512

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت