وهذه الوسيلة الثالثة هي المستخدمة في هذا الباب في إثارة الوساوس في عقول الآخرين.
وكما ذكرنا في شأن الوسوسة وخطورتها، وكما هو شأن الإيحاء وخطورته، فإنّ هذه الوسيلة الثالثة لا تقل خطورة عن سابقتيها فكم من ندوات تعقد، وكم من محاضرات تعطى، وكم من خطابات تلقى، وكم من غسيل للعقول يدبر، كل ذلك في سبيل نشر الباطل والغواية بين الناس، وكل ذلك عبر القول المباشر الذي تنقل من خلاله خطوات الشيطان الموصلة إلى غضب الرحمن والبعد عن الجنان.
وقد ذكر الذكر الحكيم كثيرًا من تلك الأمثلة التي كانت الغواية فيها عن طريق تردُّد الأقوال وتكرارها، فهذا الظالم يعضُّ على يديه ندمًا على ما كان منه من سماع واتباع لدويِّ كلام خليله في الدنيا، وهو الذي يصفه الحق بالشيطان، يقول تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولًا} [1] ، فهذه الآيات نزلت في أبي معيط وخليله فقد أخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما"ان أبامعيط كان يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة لا يؤذيه وكان رجلا حليما وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام فقالت قريش صبا أبو معيط وقدم خليله من الشام ليلا فقال لامرأته ما فعل محمد مما كان عليه فقالت أشد مما كان أمرا أبو معيط فحياه فلم يرد عليه التحية فقال مالك لا ترد علي تحيتي فقال كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت قال أَوَقَد فعلتها قريش قال نعم قال فما يبرئ صدورهم ان أنا فعلت قال نأتيه في مجلسه وتبصق في وجهه وتشمته باخبث ما تعلمه من الشتم ففعل فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم ان مسح وجهه من البصاق ثم التفت اليه فقال إن وجدتك خارجًا من جبال مكة أضرب عنقك صبرا فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه أبى أن يخرج فقال له أصحابه أخرج معنا قال قد وعدني هذا الرجل ان"
(1) - سورة الفرقان، الآيات 27 - 29.