فهرس الكتاب

الصفحة 147 من 285

هذه هي الطريقة الثالثة التي يوصل الشيطان من خلالها صوته بالباطل والإغواء إلى أعدائه، القول الصريح المباشر بالألفاظ الواضحة، وهذه الوسيلة تكاد تكون منعدمة بين شياطين الجنّ الذين يغوون الإنس وبالعكس إلا بعض الحالات النادرة والتي يتشكل فيها شيطان الجنّ على هيئة الإنس، ومن ذلك ما ورد في كتاب الله فيسياق الحديث عن غزوة بدر يقول تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [1] فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس رضي الله عنهما قال جاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج في صورة سراقة بن مالك ابن جعشم، فقال الشيطان لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم، وأقبل جبريل عليه السلام على إبليس وكانت يده في يد رجل من المشركين، فلما رأى جبريل انتزع يده وولى مدبرًا هو وشيعته، فقال الرجل يا سراقة إنك جار لنا، فقال إني أرى ما لا ترون، وذلك حين رأى الملائكة، إني أخاف الله والله شديد العقاب، قال ولما دنا القوم بعضهم من بعض قلل الله المسلمين في أعين المشركين، فقال المشركون وما هؤلاء؟ غر هؤلاء دينهم، ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم [2] ، فهذا البيان من السنة النبوية يوضح أنّ إبليس تشكل على صورة إنسي كان معروفًا لدى المشركين كي تكون غوايته لهم وتغريره بهم أوقع وآكد.

أما الأعم الأغلب في مثل هذه الوسيلة فهو إغواء الجنّ للجنّ، وإغواء الإنس للإنس، ففي مثل هذه الحالة يكون الخطاب المباشر أيسر وأسرع في حصول المراد - وإن كان لا يوازي الوسوسة في قوته وتأثيره على النفس -، وقد ذكرنا في حديثنا عن الوسوسة أنّ هذه الوسوسة يمكن أن تقع من شياطين الإنس،

(1) - سورة الأنفال، الآية 48

(2) - الدر المنثور - للسيوطي - ج 4 - ص 77، 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت