فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 285

ويقول الطاهر بن عاشور:"وقوله: {وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [1] زيادة في بيان قوة إضلاله بحيث لا يفلت من الوقوع في حباله إلا القليل من الناس وقد علم ذلك بعلم الحدس وترتيب المسببات." [2] .

ويقول الميداني:"ونتساءل: ما الذي جعل إبليس يخبر أن خطته ستنجح في المستقبل، عبر تاريخ الإنسان في الأرض، فيكون أكثرهم كفورين لربهم؟"

أقول: لقد كان هذا ظنًا منه، مستندًا إلى ما رآه من عوامل ضعف تكوينه وتأثير أهوائه وشهواته وغرائزه على إراداته، وإمكان استهوائه بها.

وربما قاس الإنسان على ما سبق أن عرفه من طبيعة الجن، ذوي الإرادات الحرة والأهواء والشهوات والغرائز، وهذه مشابهة لما لدى الإنسان. والدليل على أن هذا قد كان ظنًا من إبليس مستندًا إلى أمارات لاحظها، قول الله عز وجل في سورة (سبأ/34 مصحف 58 نزول) [3] في معرض الحديث عن سبأ ومعاقبتهم بالسيل العرم وتمزيقهم كل ممزق: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [4] " [5] ."

وبعد النظر في رأي الفريقين وحجة كلٍ منهما، نرى أن الفريق الأول لم يكن له من الأدلة سوى التمسك بآية سبأ على ظاهر نصها، أما الفريق الثاني فلم يتجاهل هذه الآية ولم يقل أبدًا أن إبليس تيقن في لحظة من اللحظات بما يقول، بل كل ما قاله من توعد وتهديد إنما كان على سبيل الظن، ولكن ليس الظن المجرد، وإنما الحدس المبني على أصول وقواعد، سار عليها واتبعها، فبنى النتائج على المقدمات واستفاد من التجارب السابقة، فكانت النتيجة لديه ظنًا لا يقينًا أنه سيقدر

(1) - سورة الأعراف، الآية 17

(2) - التحرير والتنوير - لابن عاشور - ج 8 - ص 50 - 51

(3) - يرتب الميداني تفسيره (معارج التفكر ودقائق التدبر) على زمن نزول السور القرآنية مبتدأً بأولها نزولًا ثم ما يليها وهكذا.

(4) - سورة سبأ، الآية 20

(5) - معارج التفكر ودقائق التدبر - للميداني - ج 4 - ص 124 - 125

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت