ولهذا لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث مع ثبوته ؛ لعدم مطابقته هذا المقام الذي نحن بِصدده ، وقد قَرَّرَ الأُصوليّون في مُصنّافتهم: أنه يَجبُ على كُلِّ ناظرٍ في الدّليلِ الشّرعي مُراعاةُ ما فَهِمَ السَّلف الأَوَّلونَ من هذا الدَّليل ، فما كانوا عليهِ في العملِ به فَهو أحرى بالصَّوابِ وأقوم في العلم والعَمَل (1) . ومِنَ المُتّفق عليه بَين المؤالف والمخالف: أنَّ عمل المولد لم يكن مِن فِعلِ السَّلف الأُوَلِ - رضي الله عنهم - ، إذن فَهُوَ حَقيقٌ بالرَّدِّ .
وما أحسن ماذكره سليمان السحيمي في رسالته (الأَعياد وأَثرها على المسلمين) حيث قال: " وما وجد من أهل العلم نسب إليه القول بالاحتفال بالمولد واستحسانه كابن حجر والسيوطي والسخاوي وغيرهم من العلماء الذين لهم باع في أُصول العلم الشرعي وفروعه ، فكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عند كلامه عن المواسم المبتدعة من الموالد وغيرها: ( وإذا فعلها قوم ذوي فضل فقد تركها قوم في زمن هؤلاءِ معتقدين لكراهيتها ، وأنكرها قوم كذلك ، وهؤلاء التاركون والمنكرون إن لم يكونوا أفضل ممن فعلوها فليسَ دونهم في الفضل فتكون حينئذ قد تنازع فيها أولو الأمر فترد إذن إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - . وكتاب الله - عز وجل - وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - مع من كرهها لا مع من رخّص فيها ، ثم إنّ عامة المتقدمين الذين هم أفضل من المتأخرين مع هؤلاءِ التاركين المنكرين ) (2) .
ومن ناحية أخرى: فلعلها تكون زلة عالم ، والحقّ يُعرف بالدليلِ لا يُعرف بالرجال وكثرة المؤيدين … وفي ذلك قول الإمام مالك: ( ليسَ أحد بعد رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إلا وهو يؤخذ من قوله ويُترَك ) (3) .
(1) كما في الموافقات (3/17) وإعلام الموقعين (2/390) .
(2) اقتِضاء الصّراط المستقيم) 2/610 .
(3) جامع بيان العلم وفضله 2/91 .