فإنَّ من أعظم المواسم المبتدعة التي يحتفل بها كثير من المسلمين الاحتفال بمولده - صلى الله عليه وسلم -، بل هو الأصل في تلك المواسم والاحتفالات الأخرى التي تتخذ للأولياء والصالحين والآباء والأبناء والموالد ظاهرة اجتماعية عرفتها المجتمعات منذ زمن بعيد، ولم يكن الاحتفال بالموالد مقتصرا على المسلمين أو على مجتمع دون مجتمع، بل كانت ظاهرة الاحتفال بالموالد معروفة من زمن العصور المتقدمة والسابقة للإسلام، فكان الفراعنة واليونان يحتفلون بالآلهة ويجعلون عيدًا لظهورها، وكذلك سائر الأديان الأولى.
ثم انتقل ذلك إلى المسيحية فكانوا يحتفلون بالموالد، وأهم الموالد عند النصارى ميلاد المسيح عليه السلام، حيث يتخذونه عيدا فتعطل فيه الأعمال ويجعلونه يوم فرح وسرور، وذلك بإيقاد الشموع وصنع الطعام وارتكاب المحرمات وفعل المنكرات من شرب خمور وفعل فاحشة وغير ذلك من المهازل والقبائح.
ثم جاء بعض المنتسبين للإسلام فأخذوا يوم مولده - صلى الله عليه وسلم - عيدًا مضاهاة للنصارى في اتخاذهم مولد المسيح عليه السلام، فضاهوا النصارى فيما يفعلونه في هذا اليوم فأصبح يوم فرح وسرور وعيد يتكرر كل عام بمراسمه الخاصة.
مِن هنا كان أصل الاحتفال بالمولد النبوي. وفي ذلك يقول السّخاوي: (إذا كان أهل الصليب اتخذوا ليلة مولد نبيهم عيدًا أكبر فأهل الإسلام أولى بالتكريم وأجدر(1 ) ) .
فهذا نص في المشابهة: وهو أن الاحتفال بالمولد النبوي أصله مأخوذ من النَّصارى، ومن تشبه بقوم فهو منهم. وهو تحقيقٌ لقوله - صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعا بِذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبّ تبعتوهم» فهذا هو أصل المولد ونشأته" (2) ."
(1) التبر المسبوك في ذيل السلوك للسخاوي (صَفْحَة: 14) .
(2) الأعياد وأثرها على المسلمين) لسليمان السحيمي (صَفْحَة: 285 - 286) .