وتخريج ابن حجر فتواه على عمل المولد على حديثِ صوم عاشوراء لا يُمكن الجمع بينه وبين جزمه أوَّل تلك الفتوى بأن ذلك العمل بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الأُولى ، فإن عدم عمل السلف الصالح بالنص على الوجه الذي يفهمه منه من بعدهم يمنع من اعتبار ذلك الفهم صَحيحًا إذ لو كان صَحيحًا لم يعزب عن فهم السلف الصالح ويفهمه من بعدهم ، كما يمنع ذلك النص دليلًا عليه إذ لو كان دليلًا عليه لعمل به السلف حيثُ كانت الفطرة سليمة والحرص على التّديّن أصيل ، ولا يسعنا إلا ما وسعهم ، وعلينا أن نتّبع ولا نبتدع ، ولله در القائل: ( لَنْ يُصْلحَ آخر هذهِ الأُمَّةِ إلا ما صلح به أوَّلها ) ، فاستنباطُ ابن حجر الاحتفال بالمولد من حديث صوم يوم عاشوراء مخالف لما أجمع عليه السلف من ناحية فهمه ومن ناحية العمل به ، وما خالف إجماعهم فهو خطأ ؛ لأَنهم لا يجتمعون إلا على هدى ، وبمثل هذا يُرد على السيوطي ومن نحا نحوهما باستحسان المولد ، عفا الله عنا وعن جميع المسلمين .
يَقول ابن الحاج بعد أن تكلَّم عن المفاسد المصاحبة للاحتفال بالمولد كالطرب وغيرها: ‹ وهذه المفاسد مركّبة على فعل المولد إذا عمل بالسّماع فإن خلا منه وعمل طعامًا فقط ونوى به المولد ودعا إليه الإخوان وسلم من كل ما تقدّم ذكره فهو بدعة بنفس نيّته فقط ، إذ أنَّ ذلك زيادة في الدين وليس من عمل السلف الماضين ، واتباع السلف أولى بل أوجب من أن يزيد من مخالفة ما كانوا عليه ؛ لأَنهم أشد الناس اتّباعًا لسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتَعظيمًا له ولسنته - صلى الله عليه وسلم - ، ولهم السَّبق في المبادرة إلى ذلك ، ولم ينقل عن أحد منهم أنه نوى المولد ، ونحن تَبعٌ لهم فليسعنا ما وسعهم › (1) ا( .
(1) المدخل لابن الحاج (2/10) .