وعندما ذكر العفو والرحمة من الله رجا أن تكون الرحمة مقسومة على حسب العصيان لا الإِحسان، فقال:
لعل رحمة ربي حين يقسمها ... تأتي على حسب العصيان في القسم
وهذا غير صحيح فلو كانت الرحمة تأتي قسمتها على قدر المعاصي كما قال الشاعر، لكان على المسلم أن يزيد في المعاصي حتى يأخذ من الرحمة أكثر وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل ولأنه يخالف قوله - عز وجل: {إن رحمة الله قريب من المحسنين} والله - عز وجل - يقول: ? ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ?.
(ولا التمست غنى الدارين من يده إلا استلمت الندى من خير مستلم
فجعل البوصيري غنى الدارين ملتمسًا من يد النبي - صلى الله عليه وسلم -، مع أن الله - عز وجل - يقول: {وما بكم من نعمة فمن الله} (1) ، ويقول: {قل من يرزقكم من السماء والأَرض} (2) ، وأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بقوله - عز وجل: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليَّ} (3) .
وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاسِ من أسف عليه والنهر ساهي العين من سدم
وساء ساوة أن غاصت بحيرتها ورد واردها بالغيظِ حين ظمي
وكل ذلك لا يصح (4) . وهكذا الأمر في باقي الأبيات التي فيها من الشرك (5) والغلو والكذب وما هو غير ثابت واضح لكل ذي عقيدة سليمة.
واقرأ القصيدة بنفسك وتمعن بها تجد محال الخطر والانحراف والغلو والكذب في ثنايا هذه القصيدة، والكلام على أخطار البردة كلها و شطحاتها يستغرق صفحات كثيرة.
(1) سُورة النحل: 53.
(2) سورة يونس: 31.
(3) سورة سبأ: 22.
(4) وتقدم ذلك (صَفْحَة: 151) .
(5) فتاوى اللجنة الدائمة (3/ 22) .